Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
الجهة الثالثة: ما ذكره بعضهم وهو أن وقوع الظلم من جهته تعالى لا يدل علىالجهل والحاجة؛ لأن شرط دلالته على ذلك أن يصح الجهل والحاجة على فاعله، والباري تعالى عالم غني لذاته، واعترض بأنه يلزمه أن لا يجد دليلا على أن الله لا يفعل القبيح؛ لأنه لا دليل على ذلك إلا أنه لو فعله لكان جاهلا لقبحه ومحتاجا إليه، وإذا كان قد زعم أنه تعالى لو فعل القبيح لم يدل على جهله وحاجته انتقض الدليل، وبطل التعليل، فإن قيل: إنه حكيم والصوارف متوفرة، قيل: إذا كانت الحكمة والصوارف تصرف عن القبيح لا محالة كان وقوعه دليلا على زوال تلك الصوارف، فتلزم دلالته على الجهل والحاجة.
الوجه الخامس: للنظام وأتباعه وهو أن الظلم دليل على الجهل والحاجة، كما أن الخبر الصدق بهما دليل عليهما، فإذا قدر على الظلم وجب أن يقدر على خبر صادق بأنه جاهل محتاج.
والجواب: بالفرق فإنه معنى كون الخبر صدقا أن مخبره على ما هو به، فالقائل بأن الله تعالى قادر على خبر صادق بأنه جاهل محتاج قائل بأنه يقدر على أن يجعل ذاته جاهلة محتاجة، وذلك مستحيل، فكذلك ما في معناه بخلاف الظلم، فليس معناه أنه جاهل محتاج حتى تكون القدرة على أحدهما قدرة على الآخر، وحاصل الجواب أنه يوصف بأنه قادر على الظلم، ولا يوصف بأنه قادر على خبر صادق بأنه جاهل محتاج، والفرق ما قد عرفت.
فإن قيل: إن سلمنا الفرق فيما ذكر، فيلزمكم القول بأن الله قادر على أن يدلنا على جهله وحاجته؛ لأنكم قد جعلتم الظلم دليلا على الجهل والحاجة، وقلتم إنه تعالى قادر عليه.
Page 583