Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
الدليل الرابع: لو لم يقدر على فعل القبيح للزم أن يكون أضعف القادرين منا أقوى من الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فإن الطفل الذي لا يقدر على حمل رطلين أو نحوها يقدر على أن يدفع غيره في النار وهو على شفيرها، وهو غير مستحق لذلك، والباري غير قادر على ذلك لقبحه عند الخصم، وهذا إلزامي.
وأما الأدلة السمعية هنا فكثير منها قوله: {الحمد لله} وقد مر وجه الاستدلال بها، ومنها تمدحه بنفي الظلم ونحوه، ولا يتم التمدح بتركه إلا مع القدرة، وإلا لصح تمدحه بأنه لا يجمع بين الضدين، وليس هذا موضع استيفاء الكلام على الآيات لأنه سيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى، وهو أخص بها، وقد استبعد السيد مانكديم الاستدلال بالسمع هنا.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : لا وجه لاستبعاد ذلك، قلت: وقد مر لنا صحة الاستدلال بالسمع في كثير من مسائل العدل.
احتج أبو الحسين بأنه قد قام الدليل على اختصاص الفعل بوجه دون وجه، وهو استحالة الفعل من دون داع، والجواب أنا لا نسلم توقف الفعل على الداعي، وإنما يتوقف على القدرة وزوال المانع، ولذا يقع من الساهي والنائم، ولا داعي لهما، سلمنا فعدم الداعي إنما يدل على استمرار الوقوع لا على استحالة الوقوع، كما أن ثبوت الداعي إنما يدل على استمرار الوقوع لا على وجوبه.
قال (القرشي): والأقرب أن خلاف أبي الحسين لفظي؛ لأنه إنما يقول باستحالة الوقوع من حيث الدواعي لا من حيث القدرة، والجمهور لا بد أن يقولوا بالاستحالة من حيث الحكمة لا من حيث القدرة؛ إذ لو جوزوا الوقوع مع العدل لم يبق دليل على أن الله لم يفعله.
قلت: ولهذا أدرجه الإمام المهدي عليه السلام في قول الأكثر. والله أعلم.
احتج النظام ومن معه بوجوه:
أحدها: أنه لو قدر على القبيح لوجب أن يوقعه، وأجيب بمنع الملازمة، فإن أحدنا يقدر على القيام ولا يفعله، والباري تعالى يقدر على إقامة القيامة الآن، ولا يفعله.
Page 578