الثانية: إن هذه الحدود المتنوعة بتنويع أسبابها ليس الأمر فيها لرب المال ولا لورثة المقتول، فلا يصح منهم العفو ولا طلب الدية، ولا حق لرب المال في المال المأخوذ الباقي ولا في ضمان التالف، لا يقال: إنه يلزم من ذلك إهدار مال المسلم ودمه، لأن هذه الحدود مبنية على التغليظ والتشديد للزجر والخزي لهم؛ لقوله تعالى: {ذلك لهم خزي في الدنيا ..}[المائدة:33] والإشارة إلى الجزاء المتقدم، والخزي هو الذل: {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة:33].
وقد قيل: استحقاق الأمرين إنما هو للكافر، وأما المسلم فإنه إذا أقيم عليه الحد في الدنيا سقطت عنه عقوبة الآخرة، فالآية محمولة على الكافر، أو أن فيها تقديرا في قوله: {ولهم في الآخرة} أي إن لم تقم عليه الحدود المذكورة في الدنيا.
قلت: الظاهر من قوله تعالى: {ذلك لهم خزي}:
أي الجزاء المتقدم للخزي في الدنيا، وهو الذل والفضيحة والمدخر لهم هو العذاب الذي استحقوه للمحاربة، ومع ذلك فلا فرق بين المسلم مع عدم التوبة والكافر لعموم حكم الآية، ولهذا لم يعتبر في أحكام المحاربة إلا وقوع أسبابها من المحاربين على أي صفة مهما أخذوا قبل التوبة.
وأما بعدها فقد أشار الإمام عليه السلام إلى ذلك بقوله: ((فإن تابوا قبل أن يؤخذوا ضمنوا الأموال، واقتص منهم))، يشهد له قوله تعالى في آية المحاربة المذكورة: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } [المائدة:34].
Page 170