Maʾāthir al-abrār
مآثر الأبرار
قالوا : فسار بالعسكر إلى أن حط بهم بموضع، يقال له: نجد الشرزة، ونجد شيعان وجوب فحط هنالك، ونجد الشرزة هذا: موضع في وادي ضيق بين قرون وحصون، فقال له الناس: ليس هذا موضع محط، فقال لهم: حطوا فيه، فإن الله سبحانه سينصركم، ويظفركم على عدوكم فحطوا هنالك ، وكانت خيل الإمام كثيرة، ورجله قليل، وكانت خيل حاتم بن أحمد تسعمائة فارس معدة كلها، ورجله عشرة آلاف فيهم ثلاثة آلاف قايس وألف فارس: فبينا الإمام وأصحابه غفول، ومعهم منشد ينشدهم، إذ بدى عليهم من أسفل الوادي أول القوم فلم يفزعوا منهم، وظنوهم الأنباء وهم صديق، فلما قرب القوم أيقنوا أنهم من الأعداء فلم يمكنهم لبس السلاح والشد على خيلهم فوقع الطعن بين العسكرين، فابتدروا كالأسود الضارية إلى جهة القوم بذلك الوادي، وكان أول النهار للقوم، فعند ذلك رفع الإمام يديه إلى السماء، وقال:" اللهم، [إنه] لم يبق إلا نصرك، وقال في نفسه: إن ظفر القوم بنا ظهر مذهب الباطنية وهلك الإسلام والمسلمون، فعند ذلك أرسل الله ريحا عاصفا من المشرق، فقابلت وجوه القوم، فاستبشر الإمام بالنصر من الله، وقال لأصحابه: احملوا، ثم حمل من نهجه، فانهزم القوم، وأعطى الله النصر عليهم، ومنح القوم أكتافهم، ولم يزد أحد يتبعهم، فانجلت المعركة عن خمسمائة قتيل، وخمسمائة أسير، أوقريب من ذلك، ولم تزل الهزيمة فيهم إلى صنعاء، ثم انهزموا من صنعاء، فتعلقوا بالحصون، ثم أمر الإمام -عليه السلام- بهدم درب غمدان، وهو درب منيع قد كان عني حاتم بتحصينه وبنائه، وقد كان رتبه له رجل من مصر، يقال له: القاضي الرشيد على ترتيب القاهرة بمصر، وذلك أنه حفر بئرا فيه، وهو جبل حتى لحق الماء، ثم بنى دربا مدورا، وكبسه بالطين الرطب حتى صار قطعة واحدة قياس وطن الرمح منكوسا، ثم بنى عليه دايرا ورفع في وسطه قصرا مربعا على أربعة سقوف، وبنى أربع غرف في أعلاه، واستوعب فيه دورا كثيرة من دور أهل صنعاء خربها وأخذ جصتها وآجرها وخشبها، وبنى ثم سورا محيطا بالدرب، ثم خندقا من بعده، وصار قاهرا للمسجد والدرب وصنعاء كلها، ولم يبن في اليمن مثله، وفي هذه الوقعة يقول القاضي محمد بن عبد الله الحميري في عيد الفطر، وقد عيد الإمام -عليه السلام-بهجرة سناع:
تهنا بك الأعياد إذ أنت عيدها
وإذ أنت منها بدرها وسعودها
فخمس مئين حز منها وريدها
وخمس مئين أثقلتها قيودها
وطاروا إلى روس الجبال شلائلا
من الخوف فيها خافقات كبودها
[حتى قال] :
وسربا لغمدان المنيف فأصبحت
ذوائبه في الترب ثاو مشيدها
وأضحى ابن عمران المتوج حاتم
يقول: ألا عفوا فلست أعودها
وآبت بنفس لا يزال نفيسها
إلى كل مجد ليس يحصى عديدها
إذا طلبت همدان منك إقالة
وسنحان يوما واستقام أويدها
فعد لهم بالصفح منك وبالرضى
فلن يبلغ الغايات إلا معيدها
وحاشاك أن تنسى السوابق منهم
وما فعلته في القديم جدودها
إلى آخرها.
[قال السيد صارم الدين] :
Page 125