359

وكان مشهور البركة فلذلك قصدوه، ثم عاد إلى تزح فأقام بها، وولاته يتصرفون فيما يليه من الجهات والنواحي خاصة من أرض سنحان، وجنب كلها وبلد يام، ثم بعث رسله إلى اليمن في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة لاستنهاض الناس إلى بين يديه، وحمل ما حصل من الأعشار وأصحبهم كتابا إلى الناس عموما، فوصلت الرسل إليهم، فقام في ذلك رجال من المسلمين من البونيين والخشب، والمغرب، والصيد، وجمعوا من البر والزكاة عشرة آلاف درهم، واجتمعوا في البون لعشر باقية من شهر ذي الحجة من السنة المذكورة، وساروا حتى انتهوا إلى صعدة، فانضاف إليهم جماعة من الناس، ثم ساروا حتى وصلوا [إلى] الإمام القاسم عليه السلام، وهو يومئذ في أسفل وادي بيشة، فلقيهم أولاده في رؤساء خثعم وغيرها ثم قدموا على الإمام في حصن له، وقد كان مريضا مرضا منعه عن اللقاء لهم، وأقبل إليه خلق كثير من خثعم عند قدوم أهل اليمن أقاموا عنده مدة ثم نهض حتى وصل بالقرب من صعدة، فأقام بها أياما، ثم نهض بعد أن تقررت أوامره في صعدة، ونجران، ثم دخل صنعاء، واستحكمت أوامره أيضا في صنعاء ومخاليفها، ودوخ كثيرا من الأعداء، وكان يقود الجيوش الكثيرة، فإن في الرواية: أنه حدث عليه خلاف من بعض أهل نجران، فأمر إلى واليه بصنعاء وأعمالها، فجمع له جنودا كثيرة، ثم نهض إلى نجران بذلك العسكر الضخم، بلغ عدد الخيل فيه ألف فارس سوى نيف وثلاثين فارسا، وعدد الرجل ثلاثة آلاف ومائتان وأربعون راجلا، فلما استقر في نجران دمر أضداده، ثم عاد بجنده المنصور إلى صعدة ثم أمر بدراهم قد كانت اجتمعت له من نجران، وضم إليها شيئا كان في صعدة من خراجها، فأمر بأن يقسط ذلك على جميع العسكر، فحصل للفارس مائة درهم، وللراجل ثلاثون درهما، فقبض من ذلك بعض العسكر، وكرهه الأكثر استقلالا له، فلما علم بذلك -عليه السلام- خرج وجمع له الناس، فتكلم معهم بأن قال: يا جميع شيعتي وجنودي، وأهل طاعتي، قد دعوتكم فأجبتم، وانتصرت بكم فنصرتم، وأنا كثير الشكر لكم والثناء عليكم عند الله ندبا، وعند كافة بني آدم، ثم قال في آخره: وأما ظنكم أني بخلت عليكم بشيء سوى ما أمرت [فيكم] بقسمته فلا والله وحق جدي رسول الله ما دخرته عنكم، فاعذروا ابن [بنت] نبيكم، ولا تطلبوه ما لا يطيق فيحبط أجركم.

قال الراوي: فلقد رأيت أعين كثير ممن حضر تفيض بالدمع، ثم عاد -عليه السلام- إلى منزله، وعاد جنده وولاته إلى كل ناحية وخطب له في نواحي مخلاف جعفر، وكحلان، وما يليه، ولم يزل دأبه [-عليه السلام-] إقامة قناة الدين، وإخماد نار الملحدين، وكان إذا حضر معركة نازل الأقران، وأنزل القران، وكان راعيا لأرباب العلم، وازعا لأرباب الظلم، كثير اللطف واللين، معروفا بتقريب المساكين، دمث الشمائل، جزل النائل، يؤثر على نفسه مع الحاجة.

وله رسائل ومكاتبات: مشحونة بالحكم والمواعظ، وهي مذكورة في كتب السير.

Page 62