1024

============================================================

فضحك وقال: كيف تدعي ان (1) عرفت علمها ؟! وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها، وبقيت بلا علم، فأنطقه الله لارشاده، فأقبل على التجود وساح.

ورآه بعضهم في البرية، وعليه مرقعة، وبيده ركوه وعكاز بعد أن كان رآه يحضر مجلسه ثلاث مثة مدرس، ومثة من أمراء بغداد، فقال: يا إمام، أليس تدريس العلم أولى؟ فنظر إليه شزرا، وقال: لما بزغ بدر السعادة في فلك الارادة وجنحث شمس العقول إلى مغرب الوصول.

تركث هوى ليلى وسعدى بمعزل وغدث إلى مصحوب أؤل منزل ونادت بي الأشواق مهلا فهذه (2) منازل من تهوى رويدك فانزل وكان شديد الذكاء، عجيب الفطنة(3)، مفرط الإدراك، قوي الحافظة، بعيد الغور، غواصا على المعاني الدقيقة، عالي الرتبة، زائد الحشمة، تضرب بكماله الأمثال، وتشد إليه الرحال، حتى عزفث نفسه عن (4) رذائل الذنيا، فرفض ما فيها من التقدم والجاه، وترك ذلك وراء ظهره، وأقبل على قدم الفقر والتجريد بعد الحج والتقديس.

ثم ذهب للشام، فأقام بمنارة الجامع الأموي نحو عشر سنين، فلما غرف فارقها، ثم جال في البلدان وزار المشاهد، وطاف على الترب والمساجد، وأوى القفار، وراض نفسه وجاهدها جهاد الأبرار، حتى صار قطب الوجود، والبركة العامة لكل موجود، والطريق الموصلة إلى رضا الوحمن، والمنهاج بالتصؤف إلى مركز الإيمان.

ثم عاد إلى بغداد، وتكلم على لسان أهل الحقيقة، وقلبه معلق بما فتح عليه من الطريقة.

(1) في المطبوع : أنك.

(2) في الاصول: وناديت في الأسواق مهلا . والمثت من روض الرياحين 509 (حكاية .(418 (3) في (4) و (ب) عجيب الفطرة.

(4) في المطبوع : حتى غرفت نفسه من.

293

Page 293