496

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

ثم أخذ عليه السلام في الدلالة العقلية فقال [ لأن ذلك ] كله من إرادة الظلم والكفر والفساد والكذب وسائر المعاصي [ كله يرجع إلى إرادة القبيح، وإرادة القبيح قبيحة، ] لأن الإرادة والكراهة من الصفات التي لا يدخلها الحسن والقبح لذاتها، وإنما يدخلها الحسن وتكون حسنة باعتبار حسن ما تعلقت به، ويدخلها القبح وتكون قبيحة باعتبار قبح ما تعلقت به، فإرادة الحسن من العدل والإحسان والصدقة وجميع الطاعات حسنة من الفاعل لذلك ومن غيره كإرادتنا والإرادة إليه تعالى ما فعله الغير من الخير، وإرادة القبيح من الجور والإساءة والكذب وجميع المعاصي قبيحة من ذلك الفاعل ومن غيره كأن يريد الكفار والفجار ما صدر من المعاصي من إخوانهم الأشرار [ والله تعالى لا يفعل القبيح. ] كما مر تقريره في أول الباب وهو متفق على القول به، لكن زعم الخصوم أن ما فعله الله تعالى في الخلق من خلق المعاصي وإرادتها لا يقبح منه وهي مباهتة ومناقضة للمعنى، إذ لم يبق تحت قولهم لا يفعل القبيح معنى أرادوا أن ينزهوا الله عنه بعد إضافتهم إليه كل ظلم وكذب وكفر وفسق في الخارج تعالى الله عن ذلك [ ألا ترى أنه لو أخبرنا مخبر ظاهر العدالة أنه يريد الزنا ] أو يريد قتل الأنبياء والمؤمنين أو شرب الخمر أو غير ذلك من المعاصي [ سقطت عدالته ونزلت منزلته عند جميع العقلاء، ولا علة لذلك إلا أنه أتى قبيحا، وهو إرادة القبيح. ] لأن مريد القبيح وفاعله سواء، وأدخل رجل من المعتزلة على الأمير محمد بن سليمان يريد قتله فأمر بضرب عنقه، فضحك، فقيل له: لما تضحك ؟ فقال: أرأيت لو أن رجلا قام في السوق فقال: إن محمد بن سليمان يريد الفواحش والظلم وكل قبيح، فقام إليه رجل آخر فقال: كذبت، بل لا يريد إلا كل حسن أيهما أحب إليك ؟ قال: من دفع عني، قال: وأنا لا أبالي إذ أحسنت الثناء على الله تعالى. فبهت ومن حوله من المجبرة وخلي سبيله.

قال عدلي لمجبر: ما تقول فيمن قال: إن كلما كان في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكفر والفسق فهو يريده ويحبه ؟ فقال: يقتل بسبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فإن قال ذلك في أبي بكر وعمر ؟ فقال: يجلد لطعنه في الصحابة. قال: فإن قال ذلك في الله تعالى ؟ فسكت وانقطع.

Page 20