699

الشامي وكلما وصف له شيئا من أمره يقول له: صدق والله، ثم قال: أسلمت لله الساعة، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): بل آمنت بالله الساعة لأن الإسلام قبل الإيمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون والإيمان عليه يثابون. قال الشامي: صدقت فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي الأوصياء.

وهذا الخبر مع ما فيه من إثبات حجة النظر ودلالة الإمامة يتضمن من المعجز لأبي عبد الله (عليه السلام) بالخبر عن الغائب، مثل الذي يتضمنه الخبران المتقدمان، ويوافقهما في معنى البرهان.

وروي أنه اجتمع نفر من الزنادقة فيهم ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن الأعمى وابن المقفع وأصحابهم كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، وأبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) إذ ذاك يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به؟ فقد ترى فتنة الناس به وهو علامة زمانه، فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم، ثم تقدم ففرق الناس وقال: يا أبا عبد الله إن المجالس أمانات، ولا بد لكل من كان به سعال أن يسعل، أفتأذن في السؤال؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): سل إن شئت، فقال له ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطين والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ من فكر في هذا وقدر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر، فقال:

إنك رأس هذا الأمر وسنامه، وأبوك أسه ونظامه.

فقال له الصادق (عليه السلام): إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذ به، وصار الشيطان وليه وربه يورده مناهل الهلكة، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، وجعله قبلة للمصلين له فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحق من أطيع كما أمر، وانتهى عما زجر الله المنشئ للأرواح والصور، فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت أبا عبد الله فأحلت على غائب.

فقال الصادق (عليه السلام): كيف يكون يا ويلك غائبا من هو مع خلقه شاهد (وشهيد) وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم ولا يخلو منه مكان، ولا

Page 710