Kashf al-ghumma
كشف الغمة
خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة وعزيمة مطنبة، يعد مصافحة الصفاح غنيمة باردة، ومرامحة الرماح فائدة عائدة، ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة، ومناوحة المقانب [1] منقبة شاهدة، يعتقد أن القتل يلحقه ظلل الحياة الأبدية، ويسعفه حلل المحامد السرمدية، ويزلفه في منازل الفخار العلية المعدة للشهداء الأحدية، جانحا إلى ابتياع العز بمهجته ، ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وإن غادره جماحه قتيلا.
يرى الموت أحلى من ركوب دنية
ولا يغتدي للناقصين عديلا
ويستعذب التعذيب فيما يفيده
نزاهته عن أن يكون ذليلا
فهذا مالك أزمة الشجاعة وحائزها، وله من قداحها معلاها وفائزها، قد تفوق بها لبان الشرف واغتذاه، وتطوق درة سحابة المستحلى وتحلاه، وعبق نشر أرجه المنتشر مما أتاه، ونطق فعله بمدحه وإن لم يفض فاه، وصدق والله واصفه بالشجاعة التي يحبها الله.
وإذا ظهرت دلائل الآثار على مؤثرها، وأسفرت عن تحقق مثيرها ومشمرها، فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه، وجزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه، أن الحسين (عليه السلام) لما قصد العراق وشارف الكوفة سرب إليه أميرها يومئذ عبيد الله بن زياد الجنود لمقابلته أحزابا، وحزب عليه الجيوش لمقاتلته أسربا [2]، وجهز من العساكر عشرين ألف فارس وراجل يتتابعون كتائبا وأطلابا، فلما حضروه وأحدقوا به شاكين في العدة والعديد، ملتمسين منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد، فإن أبى فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد، ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه الأبية جدها وأباها، وعزفت عن التزام الدنية فأباها، ونادته النخوة الهاشمية فلباها، ومنحها بالإجابة إلى مجانبة الذلة وحباها، فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ظباها، ومصارمة صوارمها وشيم شباها، ولا يذعن لوصمة [3] تسم بالصغار من شرفه خدودا وجباها.
Page 562