215

أحد، فأعاد ثانية فقام حاطب وهو يرعد كالسعفة [1] وقال: أنا صاحب الكتاب، وما أحدثت نفاقا بعد إسلامي ولا شكا بعد يقيني، فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): فما الذي حملك على ذلك؟ فقال إن لي أهلا بمكة ولا عشيرة لي بها، وخفت أن تكون الدائرة لهم علينا فيكون الكتاب كفا لهم عن أهلي، ويدا لي عليهم، ولم يكن لشك مني في الدين، فقال عمر: يا رسول الله، مرني بقتله فقد نافق، فقال: إنه من أهل بدر ولعل الله اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد، فجعل الناس يدفعونه في ظهره ويخرجونه وهو يلتفت إلى رسول الله ليرق له، فرده وقال: قد عفوت عنك فاستغفر ربك ولا تعد لمثل ما جنيت.

وهذه المنقبة لاحقة بمناقبه (عليه السلام) وفيها من جده في إخراج الكتاب من الامرأة وعزيمته في ذلك، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يثق في ذلك إلا به، وأنفذ الزبير معه لأنه في عداد بني هاشم من قبل أمه صفية بنت عبد المطلب، فأراد أن يتولى سره أهله وكان للزبير شجاعة وفيه إقدام، ونسبه متصل بنسب أمير المؤمنين (عليه السلام) فعلم أنه يساعده على أمره وكان الزبير تابعا لعلي مع أنه خالف الصواب في تنزيهها من الكتاب، فتدارك ذلك علي (عليه السلام) وفي ذلك من الفضيلة والمنقبة ما تفرد به ولم يشاركه فيه أحد، وقد ذكر هذه القضية بقريب من هذه الألفاظ جماعة غير المفيد.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى الراية يوم الفتح سعد بن عبادة، وأمره أن يدخل بها مكة أمامه فأخذها سعد وهو يقول @HAD@ :

اليوم يوم الملحمة

اليوم تستحل الحرمة

فقال بعض القوم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أما تسمع ما يقول سعد؟ والله إنا نخاف أن تكون له اليوم صولة في قريش، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أدرك يا علي سعدا فخذ الراية منه وادخل بها أنت.

قلت: هكذا ذكره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه، فاستدرك به (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كاد يفوت من صواب التدبير بتهجم سعد وإقدامه على أهل مكة، وعلم أن الأنصار لا توافق على عزل سيدها وأخذ الراية منه إلا بمثل علي (عليه السلام). ولأن حاله في ذلك كما لو أخذها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في جلالة قدره ورفيع مكانه، وهذا عزل خير من ولاية،

Page 220