Kashf al-ghumma
كشف الغمة
أحد، واعتاد لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره، أفضل الناس غنى وأعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مواساة ومؤازرة.
وكان لا يجلس ويقوم إلا على ذكر الله، ولا يوطن الأماكن، وينهي عن إيطانها، وإذا أتى المجلس، جلس حيث ينتهي به ويأمر بذلك، يعطى كل واحد من جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه، وإذا جالس أحدا أو قاومه صابره، حتى يكون الرجل هو المنصرف، وإذا صافح أحدا، لم ينزع يده، حتى ينزع الآخر يده، ومن يسأله حاجة لم يرده إلا بها، صار للناس كالوالد من القول، أوسع الناس بخلقه وبسطه، فصار لهم كالوالد، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، (ولا يؤثر فيه أهل النفاق، وترى أصحابه متآلفين) متعادلين، يتواصون فيه بالبر والتقوى، متواضعين، يوفرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، (214) ويحفظون الغريب، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا فحاش، ولا معتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك غيره من ثلاث: لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته.
ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، فإذا سكت تكلموا، فينصت لاستماع كلامهم، لا يتنازعون معه الحديث، إذا تكلم أحدهم، أنصت الباقون حتى يفرغ، يضحك مما يضحكون، ويتعجب مما يتعجبون، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة فأرشدوه، لا يقبل الثناء إلا من مكاف، ولا يقطع على أحد حديثه، صمته على الحذر والتدبر والتفكير، فتدبره تسوية النظر بين الناس والاستماع منهم، وتفكره فيما يفنى، وفيما يبقى جمع له الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في
Page 70