797

يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها

[المائدة: 37]؟ قال: فقال لي: إنك والله لا تستطيع على شيء، إن للنار أهلا لا يخرجون منها كما قال الله. قال: قلت يا أبا سعيد: فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبا في الدنيا، فأخذهم الله بها فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال: هو من يخلد فيها . وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الحرث بن مسلم، عن يحيى بن عمرو بن دينار، قال: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء، فقلت: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته }؟ قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار! وإن دون ذلك لخزيا. وأولى القولين بالصواب عندي قول جابر: إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها. وذلك أن الخزي إنما هو هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الخزي. وأما قوله: { وما للظلمين من أنصار } يقول: وما لمن خالف أمر الله فعصاه من ذي نصرة له ينصره من الله فيدفع عنه عقابه أو ينقذه من عذابه.

[3.193]

اختلف أهل التأويل في تأويل المنادي الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، فقال بعضهم: المنادي في هذا الموضع القرآن. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: { إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } قال: هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي صلى الله عليه وسلم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا منصور بن حكيم، عن خارجة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } قال: ليس كل الناس سمع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المنادي: القرآن. وقال آخرون: بل هو محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول محمد بن كعب، وهو أن يكون المنادي القرآن لأن كثيرا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عاينه، فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن. وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا:

إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد

[]. وبنحو ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } إلى قوله: { وتوفنا مع الابرار } سمعوا دعوة من الله فأجابوها، فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها، ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجن كيف قال. فأما مؤمن الجن، فقال:

إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا

[الجن: 1-2] وأما مؤمن الإنس، فقال: { إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا }... الآية. وقيل: { إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمن } يعني: ينادي إلى الإيمان، كما قال تعالى ذكره:

الحمد لله الذى هدانا لهذا

[الأعراف: 43] بمعنى: هدانا إلى هذا، وكما قال الراجز.

Unknown page