796

إن الله فقير ونحن أغنيآء

[آل عمران: 181] يقول تعالى ذكره مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، فكيف يكون أيها المفترون على الله من كان ملك ذلك له فقيرا! ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك ولكل مكذب به ومفتر عليه وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه، فقال: { والله على كل شيء قدير } يعني: من إهلاك قائل ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور.

[3.190]

وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره على قائل ذلك وعلى سائر خلقه بأنه المدبر المصرف الأشياء، والمسخر ما أحب، وإن الإغناء والإفقار إليه وبيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس، واعتبروا ففيما أنشأته فخلقته من السموات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقبت بينه من الليل والنهار، فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبر ومدكر، وآيات وعظات. فمن كان منكم ذا لب وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أني فقير وهو غني كاذب مفتر، فإن ذلك كله بيدي أقلبه وأصرفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف ينسب فقر إلى من كان كل ما به عيش ما في السموات والأرض بيده وإليه! أم كيف يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حرمه! فاعتبروا يا أولي الألباب.

[3.191]

وقوله: { الذين يذكرون الله قيما وقعودا } من نعت «أولي الألباب»، و«الذين» في موضع خفض ردا على قوله: «لأولي الألباب». ومعنى الآية: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يعني بذلك: قياما في صلاتهم وقعودا في تشهدهم وفي غير صلاتهم وعلى جنوبهم نياما. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { الذين يذكرون الله قيما وقعودا }... الآية، قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك يسرا من الله وتخفيفا. فإن قال قائل: وكيف قيل: { وعلى جنوبهم } فعطف ب«على»، وهي صفة على القيام والقعود وهما اسمان؟ قيل: لأن قوله: { وعلى جنوبهم } في معنى الاسم، ومعناه: ونياما أو مضطجعين على جنوبهم فحسن عطف ذلك على القيام والقعود لذلك المعنى، كما قيل:

وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما

[يونس: 12] فعطف بقوله: { أو قاعدا أو قائما } على قوله: { لجنبه } ، لأن معنى قوله: لجنبه مضطجعا، فعطف بالقاعد والقائم على معناه، فكذلك ذلك في قوله: { وعلى جنوبهم }. وأما قوله: { ويتفكرون فى خلق السموات والأرض } فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، من هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة. القول في تأويل قوله تعالى: { ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحنك فقنا عذاب النار }. يعني بذلك تعالى ذكره: ويتفكرون في خلق السموات والأرض، قائلين: { ربنا ما خلقت هذا بطلا } فترك ذكر قائلين، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه وقوله: { ما خلقت هذا بطلا } يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثا ولا لعبا، لم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال: ما خلقت هذا باطلا، ولم يقل: ما خلقت هذه، ولا هؤلاء، لأنه أراد بهذا الخلق الذي في السموات والأرض، يدل على ذلك قوله: { سبحنك فقنا عذاب النار } ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم، ولو كان المعني بقوله: { ما خلقت هذا بطلا } السموات والأرض، لما كان لقول عقيب ذلك: { فقنا عذاب النار } معنى مفهوم، لأن السموات والأرض أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب: الأمر والنهي وإنما وصف جل ثناؤه أولي الألباب الذين ذكرهم في هذه الآية، أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيين، قالوا: يا ربنا لم تخلق هؤلاء باطلا عبثا سبحانك، يعني: تنزيها لك من أن تفعل شيئا عبثا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار. ثم فزعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.

[3.192]

اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها فقد أخزيته، قال: ولا يخزي مؤمن مصيره إلى الجنة وإن عذب بالنار بعض العذاب. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حفص الجبيري ومحمد بن بشار، قال: أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، في قوله: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال: من تخلد. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال: هي خاصة لمن لا يخرج منها. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحملي، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد أرأيت ما تذكر من الشفاعة حق هو؟ قال: نعم حق. قال: قلت يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } و

Unknown page