794

وقال آخرون: بل نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتشبب بنساء المسلمين. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } قال : هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمد بن مسلمة، ورجل يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة، قال: فليدن إلي بعضكم، فليحدثني بحاجته! فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعا عندنا لنستنفق بها، فقال: والله لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاء حين هدأ عنهم الناس. فأتوه، فنادوه، فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهنوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرا، قال: فقالوا إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين! فقال: أترهنوني نسائكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس، ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم! قالوا: فانزل إلينا نأخذ عليك، وتأخذ علينا. فذهب ينزل، فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائما ما أيقظوني. قالت: فكلمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوح ريحه، قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطر أم فلان! امرأته. فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه، ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه، وما كان يحض عليهم، ويحرض في قتالهم، ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحا، فقال: فكان ذلك الكتاب مع علي رضوان الله عليه.

[3.187]

يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يا محمد إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبينن للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه، { فنبذوه وراء ظهورهم } يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك، { واشتروا به ثمنا قليلا } يقول: وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضا منه، خسيسا قليلا من عرض الدنيا. ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك، فقال: { فبئس ما يشترون }. واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها اليهود خاصة. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن عباس: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه } إلى قوله: { عذاب أليم } يعني: فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم» كان أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال:

واتبعوه لعلكم تهتدون

[الأعراف: 158]. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قال:

أوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإيى فارهبون

[البقرة: 40] عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا: صدقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس».. الآية، قال: إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس محمدا صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين، قال: سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن هذه الآية: { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب } فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله، فقال: وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب يهود، «ليبيننه للناس» محمدا صلى الله عليه وسلم ولا يكتمونه، فنبذوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه» قال: وكان فيه أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.

وقال آخرون: عني بذلك كل من أوتي علما بأمر الدين. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم»... الآية، هذا ميثاق أخذ الله على أهل العلم، فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم، وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة، ولا يتكلفن رجل ما لا علم له به، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين، كان يقال: مثل علم لا يقال به: كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب. وكان يقال: طوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واع. هذا رجل علم علما فعلمه وبذله ودعا إليه، ورجل سمع خيرا فحفظه ووعاه، وانتفع به. حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، قال: جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال: إن أخاكم كعبا يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليس فيكم: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه» فقال له عبد الله: وأنت فأقرئه السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهودي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبد الله وكعب. وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: ثني يحيى بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون: «وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم» قال: من النبيين على قومهم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب }: «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين» قال: فقال: أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأما قوله: «ليبيننه للناس». فإنه كما: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، قال: ثنا محمد بن ذكوان، قال: ثنا أبو نعامة السعدي، قال: كان الحسن يفسر قوله: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه» ليتكلمن بالحق وليصدقنه بالعمل. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { لتبيننه للناس ولا تكتمونه } بالتاء، وهي قراءة عظم قراء أهل المدينة والكوفة على وجه المخاطب، بمعنى: قال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقرأ ذلك آخرون: «ليبيننه للناس ولا يكتمونه» بالياء جميعا على وجه الخبر عن الغائب، لأنهم في قوت إخبار الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك عنهم كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب.

والقول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان صحيحة وجوههما، مستفيضتان في قراءة الإسلام، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارىء فقد أصاب الحق والصواب في ذلك. غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحب القراءتين إلي أن أقرأ بها: «ليبيننه للناس ولا يكتمونه» بالياء جميعا استدلالا بقوله: { فنبذوه } أنه إذا كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله: { فنبذوه } حتى يكون متسقا كله على معنى واحد ومثال واحد، ولو كان الأول بمعنى الخطاب لكان أن يقال: فنبذتموه وراء ظهوركم، أولى من أن يقال: فنبذوه وراء ظهورهم . وأما قوله: { فنبذوه وراء ظهورهم } فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق، وتركهم العمل به. وقد بينا المعنى الذي من أجله قبل ذلك كذلك فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب البجلي، عن الشعبي في قوله: { فنبذوه وراء ظهورهم } قال: إنهم قد كانوا يقرءونه إنما نبذوا العمل به. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { فنبذوه وراء ظهورهم } قال: نبذوا الميثاق. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا مالك بن مغول، قال: نبئت عن الشعبي في هذه الآية: { فنبذوه وراء ظهورهم } قال: قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به. وأما قوله: { واشتروا به ثمنا قليلا } فإن معناه ما قلنا من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { واشتروا به ثمنا قليلا } أخذوا طمعا، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فبئس ما يشترون } يقول: فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب. كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فبئس ما يشترون } قال: تبديل اليهود التوراة.

[3.188]

Unknown page