Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
وأخذ الذين ظلموا الصيحة
[هود: 67] وكما قال:
فقد جاءكم بينة من ربكم
[الأنعام: 157] وفي موضع آخر:
وأخذت الذين ظلموا الصيحة
[هود: 67]
جاءتكم بينة من ربكم
[الأعراف: 73]. وقال: { من أفواههم } وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم، لأن المعني به الكلام الذي ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم، فقال: قد بدت البغضاء من أفواههم بألسنتهم. القول في تأويل قوله تعالى: { وما تخفى صدورهم أكبر }. يعني تعالى ذكره بذلك: والذي تخفي صدورهم، يعني صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتخاذهم بطانة فتخفيه عنكم أيها المؤمنون أكبر، يقول: أكبر مما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وما تخفى صدورهم أكبر } يقول: وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { وما تخفى صدورهم أكبر } يقول: ما تكن صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم. القول في تأويل قوله تعالى: { قد بينا لكم الايت إن كنتم تعقلون }. يعني بذلك جل ثناؤه: قد بينا لكم أيها المؤمنون الآيات، يعني بالآيات: العبر، قد بينا لكم من أمر هؤلاء اليهود الذين نهيناكم أن تتخذوهم بطانة من دون المؤمنين ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم، { إن كنتم تعقلون } يعني: إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم ومبلغ عائدته عليكم.
[3.119]
يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم أيها المؤمنون الذين تحبونهم، يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم، وهم لا يحبونكم، بل ينتظرون لكم العداوة والغش، وتؤمنون بالكتاب كله. ومعنى الكتاب في هذا الموضع، معنى الجمع، كما يقال: أكثر الدرهم في أيدي الناس، بمعنى الدراهم، فكذلك قوله: { وتؤمنون بالكتب كله } ، إنما معناه: بالكتب كلها كتابكم الذي أنزل الله إليكم، وكتابهم الذي أنزله إليهم، وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على عباده. يقول تعالى ذكره: فأنتم إذ كنتم أيها المؤمنون تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أن الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم، كفار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه، أولى بعداوتكم إياهم، وبغضائهم وغشهم منهم بعداوتكم وبغضائكم مع جحودهم بعض الكتب وتكذيبهم ببعضها. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وتؤمنون بالكتب كله }: أي بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم. وقال: { هاأنتم أولاء } ولم يقل: «هؤلاء أنتم»، ففرق بين «ها» و«أولاء» بكناية اسم المخاطبين، لأن العرب كذلك تفعل في هذا إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذي يحتاج إلى تمام الخبر، وذلك مثل أن يقال لبعضهم: أين أنت؟ فيجيب المقول ذلك له: ها أنا ذا، فيفرق بين التنبيه و«ذا» بمكني اسم نفسه، ولا يكادون يقولون: هذا أنا، ثم يثنى ويجمع على ذلك، وربما أعادوا حرف التنبيه مع ذا، فقالوا: ها أنا هذا ولا يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريبا، فأما إذا كان على غير التقريب والنقصان، قالوا: هذا هو، وهذا أنت، وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة، يقولون: هذا عمرو قائما، إن كان هذا تقريبا. وإنما فعلوا ذلك في المكني مع التقريب تفرقة بين هذا إذا كان بمعنى الناقص الذي يحتاج إلى تمام، وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح. وقوله: { تحبونهم } خبر للتقريب. وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين، أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتب كله } فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوي له ويرحمه، ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه.
Unknown page