729

[آل عمران: 119]. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } في المنافقين من أهل المدينة، نهى الله عز وجل المؤمنين أن يتولوهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم } نهى الله عز وجل المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين أو يؤاخوهم، أي يتولوهم من دون المؤمنين. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { لا تتخذوا بطانة من دونكم } هم المنافقون. حدثت عن عمار. قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { يظلمون يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا } يقول: لا تستدخلوا المنافقين، تتولوهم دون المؤمنين. حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الأزهر بن راشد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لاتستضيئوا بنار أهل الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا "

قال: فلم ندر ما ذلك حتى أتوا الحسن فسألوه، فقال: نعم، أما قوله:

" لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا "

، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم «محمد» وأما قوله:

" ولا تستيضئوا بنار أهل الشرك "

، فإنه يعني به المشركين، يقول: لا تستشيروهم في شيء من أموركم. قال: قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم }. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } أما البطانة: فهم المنافقون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم }... الآية، قال: لا يستدخل المؤمن المنافق دون أخيه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم }... الآية، قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قوله: { قد بدت البغضاء من أفوههم }... الآية. واختلفوا في تأويل قوله { ودوا ما عنتم } فقال بعضهم معناه: ودوا ما ضللتم عن دينكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ودوا ما عنتم } يقول: ما ضللتم. وقال آخرون بما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { ودوا ما عنتم } يقول في دينكم، يعني: أنهم يودون أن تعنتوا في دينكم. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: { ودوا ما عنتم } فجاء بالخبر عن البطانة بلفظ الماضي في محل الحال والقطع بعد تمام الخبر، والحالات لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها؟ قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أن قوله: { ودوا ما عنتم } حال من البطانة، وإنما هو خبر عنهم ثان، منقطع عن الأول غير متصل به.

وإنما تأويل الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا صفتهم كذا. فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى، وإن كانتا جميعا من صفة شخص واحد. وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله: { ودوا ما عنتم } من صلة البطانة، وقد وصلت بقوله: { لا يألونكم خبالا } فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام البطانة بصلته، ولكن القول في ذلك كما بينا قبل من أن قوله: { ودوا ما عنتم } خبر مبتدأ عن البطانة غير الخبر الأول، وغير حال من البطانة ولا قطع منها. القول في تأويل قوله تعالى: { قد بدت البغضاء من أفوههم }. يعني بذلك جل ثناؤه: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم بأفواههم، يعني بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمون من الضلالة، فذلك من أوكد الأسباب من معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين، العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك، فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين ومقامهم عليه أبين الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة. وقد قال بعضهم: معنى قوله: { قد بدت البغضاء من أفوههم } قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر بإطلاع بعضهم بعضا على ذلك. وزعم قائلو هذه المقالة أن الذين عنوا بهذه الآية: أهل النفاق، دون من كان مصرحا بالكفر من اليهود وأهل الشرك. ذكر من قال ذلك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { قد بدت البغضاء من أفوههم } يقول: قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { قد بدت البغضاء من أفوههم } يقول: من أفواه المنافقين. وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة قول لا معنى له، وذلك أن الله تعالى ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله، والبغضاء إما بأدلة ظاهرة دالة على أن ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم. فأما من لم يثبتوه معرفة أنه الذي نهاهم الله عز وجل عن مخالته ومباطنته، فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفات قد عرفوهم بها.

وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرك به المؤمنون معرفة ما هم عليه لهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم لهم والتودد إليهم، كان بينا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم على ما وصفهم الله عز وجل به، فعرفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ممن كان له ذمة وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب، لأنهم لو كانوا المنافقين لكان الأمر فيهم على ما قد بينا، ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحرب، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهر المؤمنين من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وعقد من يهود بني إسرائيل. والبغضاء: مصدر، وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود: «قد بدا البغضاء من أفواههم»، على وجه التذكير، وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ المؤنث، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم، فيجوز تذكير ما خرج منها على لفظ المؤنث وتأنيثه، كما قال عز وجل:

Unknown page