Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
فتأويل الآية إذا: { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمنهم } يعني: كيف يرشد الله للصواب، ويوفق للإيمان، قوما جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد إيمانهم: أي بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربه. { وشهدوا أن الرسول حق } يقول: وبعد أن أقروا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقا. { وجاءهم البينت } يعني: وجاءهم الحجج من عند الله، والدلائل بصحة ذلك. { والله لا يهدى القوم الظلمين } يقول: والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين بدلوا الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الظلم، وأنه وضع الشيء في غير موضعه بما أغنى عن إعادته. { أولئك جزآؤهم } يعني: هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حق، { جزآؤهم } ثوابهم من عملهم الذي عملوه، { أن عليهم لعنة الله } يعني أن حل بهم من الله الإقصاء والبعد، ومن الملائكة والناس إلا مما يسوءهم من العقاب { أجمعين } يعني من جميعهم: لا من بعض من سماه جل ثناؤه من الملائكة والناس، ولكن من جميعهم، وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بالله كفرا. وقد بينا صفة لعنة الناس الكافر في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. { خلدين فيها } يعني: ماكثين فيها، يعني: في عقوبة الله. { لا يخفف عنهم العذاب } لا ينقصون من العذاب شيئا في حال من الأحوال ولا ينفسون فيه. { ولا هم ينظرون } يعني: ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون، وذلك كله: أعني الخلود في العقوبة في الآخرة. ثم استثنى جل ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، فقال تعالى ذكره: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم. { وأصلحوا } يعني: وعملوا الصالحات من الأعمال. { فإن الله غفور رحيم } يعني فإن الله لمن فعل ذلك بعد كفره { غفور } يعني: ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الردة، فتارك عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غير مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه، رحيم متعطف عليه بالرحمة.
[3.90]
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى الله عز وجل بقوله: { إن الذين كفروا } أي ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم. { ثم ازدادوا كفرا } بكفرهم بمحمد. { لن تقبل توبتهم } عند حضور الموت وحشره بنفسه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون } قال: اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا } أولئك أعداء الله اليهود، كفروا بالإنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { ثم ازدادوا كفرا } قال: ازدادوا كفرا حتى حضرهم الموت، فلم تقبل توبتهم حين حضرهم الموت. قال معمر: وقال مثل ذلك عطاء الخراساني. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قوله: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون } وقال: هم اليهود كفروا بالإنجيل، ثم ازدادوا كفرا حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنكروه، وكذبوا به. وقال آخرون: معنى ذلك: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد بعد إيمانهم بأنبيائهم، { ثم ازدادوا كفرا }: يعني ذنوبا، { لن تقبل توبتهم } من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفيع: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا } ازدادوا ذنوبا وهم كفار، { فلن تقبل توبتهم } من تلك الذنوب ما كانوا على كفرهم وضلالتهم. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، قال: سألت أبا العالية، قال: قلت: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم }؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا ثم ازدادوا كفرا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها في كفرهم. حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال: أخبرنا ابن أبي عدي، عن داود، قال: سألت أبا العالية عن الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحوا منه. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون } قال: هم اليهود والنصارى والمجوس، أصابوا ذنوبا في كفرهم فأرادوا أن يتوبوا منها، ولن يتوبوا من الكفر، ألا ترى أنه يقول: { وأولئك هم الضالون }؟ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن داود، عن أبي العالية في قوله: { لن تقبل توبتهم } قال: تابوا من بعض، ولم يتوبوا من الأصل.
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، قوله: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا } قال: هم اليهود والنصارى يصيبون الذنوب فيقولون نتوب وهم مشركون، قال الله عز وجل: لن تقبل التوبة في الضلالة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفرا، يعني بزيادتهم الكفر: تمامهم عليه حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، لن تقبل توبتهم: لن تنفعهم توبتهم الأولى، وإيمانهم لكفرهم الآخر وموتهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: { ثم ازدادوا كفرا } قال: تموا على كفرهم. قال ابن جريج: { لن تقبل توبتهم } يقول: إيمانهم أول مرة لن ينفعهم. وقال آخرون: معنى قوله: { ثم ازدادوا كفرا } ماتوا كفارا، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى { لن تقبل توبتهم }: لن تقبل توبتهم عند موتهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون } أما ازدادوا كفرا: فماتوا وهم كفار، وأما لن تقبل توبتهم: فعند موته إذا تاب لم تقبل توبته. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من قال: عنى بها اليهود، وأن يكون تأويله: إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بما أصابوا من الذنوب في كفرهم ومقامهم على ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت في سياق واحد. وإنما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا في كفرهم من المعاصي، لأنه جل ثناؤه قال: { لن تقبل توبتهم } فكان معلوما أن معنى قوله: { لن تقبل توبتهم } إنما هو معني به: لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم، لأن الله تعالى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عباده، فقال:
وهو الذى يقبل التوبة عن عباده
[الشورى: 25] فمحال أن يقول عز وجل أقبل، ولا أقبل في شيء واحد. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من حكم الله في عباده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيمان أحد تلك الذنوب التي وعد قبول التوبة منها بقوله: { إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه، غير المعنى الذي تقبل التوبة منه. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلح، فإن الله كما وصف به نفسه، غفور رحيم. فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون معنى ذلك، كما قال من قال: فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله، أو توبته الأولى؟ قيل: أنكرنا ذلك لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا في حال حياته، فأما بعد مماته فلا توبة، وقد وعد الله عز وجل عباده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، ولا خلاف بين جميع الحجة في أن كافرا لو أسلم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه والموارثة، وسائر الأحكام غيرها، فكان معلوما بذلك أن توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة، لم ينتقل حكمه من حكم الكفار إلى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بين الموت والحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فيها توبة الكافر، فإذا صح أنها في حال حياته مقبولة، ولا سبيل بعد الممات إليها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل. وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له، لأن الله عز وجل لم يوصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيمان، بل إنما وصفهم بكفر بعد إيمان، فلم يتقدم ذلك الإيمان كفر كان للإيمان لهم توبة منه، فيكون تأويل ذلك على ما تأوله قائل ذلك، وتأويل القرآن على ما كان موجودا في ظاهر التلاوة إذا لم تكن حجة تدل على باطن خاص أولى من غيره وإن أمكن توجيهه إلى غيره. وأما قوله: { وأولئك هم الضالون } فإنه يعني بذلك: وهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرا، هم الذين ضلوا سبيل الحق، فأخطئوا منهجه، وتركوا منصف السبيل وهدى الله الدين، حيرة منهم وعمى عنه. وقد بينا فيما مضى معنى الضلال بما فيه الكفاية.
[3.91]
يعني بذلك جل ثناؤه: { إن الذين كفروا } أي جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يصدقوا به، وبما جاء به من عند الله من أهل كل ملة يهودها ونصاراها ومجوسها وغيرهم. { وماتوا وهم كفار } يعني: وماتوا على ذلك من جحود نبوته، وجحود ما جاء به. { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } يقول: فلن يقبل ممن كان بهذه الصفة في الآخرة جزاء ولا رشوة على ترك عقوبته على كفره، ولا جعل على العفو عنه، ولو كان له من الذهب قدر ما يملأ الأرض من مشرقها إلى مغربها، فرشا وجزى على ترك عقوبته وفي العفو عنه على كفره عوضا مما الله محل به من عذابه، لأن الرشوة إنما يقبلها من كان ذا حاجة إلى ما رشي، فأما من له الدنيا والآخرة، فكيف يقبل الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدى بها مفتد عن نفسه أو غيره؟ وقد بينا أن معنى الفدية العوض والجزاء من المفتدى منه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ثم أخبر عز وجل عما لهم عنده، فقال: { أولئك } يعني : هؤلاء الذين كفروا وماتوا وهم كفار، { لهم عذاب أليم } يقول: لهم عند الله في الآخرة عذاب موجع، { وما لهم من نصرين } يعني: وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق ينصره، فيستنقذه من الله ومن عذابه، كما كانوا ينصرونه في الدنيا على من حاول أذاه ومكروهه. وقد: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:
" يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت مفتديا به؟ فيقول نعم، قال: فيقال لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك "
، فذلك قوله: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به }. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن، قوله: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } قال: هو كل كافر. ونصب قوله «ذهبا» على الخروج من المقدار الذي قبله والتفسير منه، وهو قوله: «ملء الأرض»، كقول القائل: عندي قدر زق سمنا وقدر رطل عسلا، فالعسل مبين به ما ذكر من المقدار، وهو نكرة منصوبة على التفسير للمقدار والخروج منه. وأما نحويو البصرة، فإنهم زعموا أنه نصب الذهب لاشتغال الملء بالأرض، ومجيء الذهب بعدهما، فصار نصبها نظير نصب الحال، وذلك أن الحال يجيء بعد فعل قد شغل بفاعله فينصب، كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي قد شغل بفاعله، قالوا: ونظير قوله: { ملء الأرض ذهبا } في نصب الذهب في الكلام: لي مثلك رجلا، بمعنى: لي مثلك من الرجال.
Unknown page