Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
[التوبة: 5] ناسخ له، لأنه غير جائز اجتماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم وترك قتلهم في حال واحدة ووقت واحد . وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلهم، أموا البيت الحرام أو البيت المقدس في أشهر الحرم وغيرها، ما يعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخ، ومحتمل أيضا: ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك، وأكثر أهل التأويل على ذلك. وإن كان عني بذلك المشركون من أهل الحرب، فهو أيضا لا شك منسوخ. وإذ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر، وكان ما كان مستفيضا فيهم ظاهر الحجة، فالواجب وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا، التسليم لما استفاض بصحته نقلهم. القول في تأويل قوله تعالى: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا. يعني بقوله: { يبتغون }: يطلبون ويلتمسون. والفضل: الإرباح في التجارة والرضوان: رضا الله عنهم، فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحل بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم بحجهم بيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن قتادة في قوله: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } قال: هم المشركون يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: قرأت على ابن أبي عروبة، فقال: هكذا سمعته من قتادة في قوله: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا والفضل والرضوان: اللذان يبتغون أن يصلح معايشهم في الدنيا، وأن لا يعجل لهم العقوبة فيها.
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } يعني: أنهم يترضون الله بحجهم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: جلسنا إلى مطرف بن الشخير، وعنده رجل، فحدثهم في قوله: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } قال: التجارة في الحج، والرضوان في الحج. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: قال ابن عمر في الرجل يحج ، ويحمل معه متاعا، قال: لا بأس به. وتلا هذه الآية: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا }. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } قال: يبتغون الأجر والتجارة. القول في تأويل قوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطادوا }. يعني بذلك جل ثناؤه: { وإذا حللتم فاصطادوا } الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه وأنتم حرم، يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده واصطادوا إن شئتم حينئذ، لأن المعنى الذي من أجله كنت حرمته عليكم في حال إحرامكم قد زال. وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن مجاهد، أنه قال: هي رخصة. يعني قوله: { وإذا حللتم فاصطادوا }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن القاسم، عن مجاهد، قال: خمس في كتاب الله رخصة، وليست بعزمة، فذكر: { وإذا حللتم فاصطادوا } قال: من شاء فعل، ومن شاء لم يفعل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن حجاج، عن عطاء، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن مجاهد: { وإذا حللتم فاصطادوا } قال: إذا حل، فإن شاء صاد، وإن شاء لم يصطد. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن رجل، عن مجاهد: أنه كان لا يرى الأكل من هدى المتعة واجبا، وكان يتأول هذه الآية: { وإذا حللتم فاصطادوا }:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض
[الجمعة: 10]. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا يجرمنكم }. يعني جل ثناؤه بقوله: { ولا يجرمنكم } ولا يحملنكم. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم } يقول: لا يحملنكم شنآن قوم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم } أي لا يحملنكم. وأما أهل المعرفة باللغة، فإنهم اختلفوا في تأويلها، فقال بعض البصريين : معنى قوله: { ولا يجرمنكم }: لا يحقن لكم لأن قوله:
لا جرم أن لهم النار
[النحل: 62]: هو حق أن لهم النار. وقال بعض الكوفيين معناه: لا يحملنكم. وقال: يقال: جرمنى فلان على أن صنعت كذا وكذا: أي حملني عليه. واحتج جميعهم ببيت الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
فتأول ذلك كل فريق منهم على المعنى الذي تأوله من القرآن، فقال الذين قالوا: { لا يجرمنكم }: لا يحقن لكم معنى قول الشاعر: جرمت فزارة: أحقت الطعنة لفزارة الغضب. وقال الذين قالوا معناه: لا يحملنكم: معناه في البيت: «جرمت فزارة أن يغضبوا»: حملت فزارة على أن يغضبوا. وقال آخر من الكوفيين: معنى قوله: { لا يجرمنكم }: لا يكسبنكم شنآن قوم. وتأويل قائل هذا القول قول الشاعر في البيت: «جرمت فزارة»: كسبت فزارة أن يغضبوا. قال: وسمعت العرب تقول: فلان جريمة أهله، بمعنى: كاسبهم، وخرج يجرمهم: يكسبهم. وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه متقاربة المعنى وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل فقد أكسبه بغضه، ومن أكسبه بغضه فقد أحقه له. فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف، ما قاله ابن عباس وقتادة، وذلك توجيههما معنى قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم }: ولا يحملنكم شنآن قوم على العدوان. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار: { ولا يجرمنكم } بفتح الياء من: جرمته أجرمه. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين، وهو يحيى بن وثاب والأعمش، ما: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، أنه قرأ: «ولا يجرمنكم» مرتفعة الياء من أجرمته أجرمه وهو يجرمني. والذي هو أولى بالصواب من القراءتين، قراءة من قرأ ذلك: { ولا يجرمنكم } بفتح الياء، لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار وشذوذ ما خالفها، وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب، وإن كان مسموعا من بعضها: أجرم يجرم، على شذوذه، وقراءة القرآن بأفصح اللغات أولى وأحق منها بغير ذلك ومن لغة من قال: جرمت، قول الشاعر:
يا أيها المشتكي عكلا وما جرمت
Unknown page