Jāmiʿ Ibn Baraka
جامع ابن بركة
يقال لمن احتج بهذا أن الفرض قد يسقط بعضه ولا يجب سقوطه كله إلا بنسخ ووجوب بدل منه، فإن قال: إن الصوم قد يسقط في السفر كله فلا يفعل فما أنكرت أن يكون الأذان مثله؟ قيل له: إن الصوم إذا سقط رجع إلى بدل، وكذلك فرض الطهارة بالماء يسقط عند عدمه ويرجع فيه إلى بدل، ولو كان الأذان فرضا إذا سقط أعيد منه بدل، فلما لم يقل أحد بإيجاب بدل من أذان دل على أن الأذان ليس بفرض؛ وايضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أوقات الصلاة وقال: (ما بين هذين الوقتين) ولو كان الأذان فرضا كان الاشتغال به يمنع من الوقت الأول الذي حده النبي صلى الله عليه وسلم من الوقت، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حد للصلاة وقتا، ثم كان الأذان فرضا، منع وقت فرض الأذان والاشتغال بتأديته عن تأدية الصلاة في الوقت الذي حده لها، فيكون وقتها وقتا واحدا. فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون ما ذكرت لا يمنع من القول بفرض الأذان، وإنه لما كان من أعمال الصلاة لم ينكر أن يكون لها وقت من أوقات الصلاة كما قلتم في الجنب بغسله في شهر رمضان وقت من أوقات الجماع، وإن كان يبيح (¬1) له الجماع والأكل والشرب في الليل كله. قيل له: إن الفرائض لها أوقات محظورة بها مأمور بفعلها فيه، ثم وجدنا الأذان يفعل في أوقات مختلفة في الليل لصلاة الصبح قبل دخول وقت الصلاة وبعد وجوب الصلاة في النهار، وعلمنا أن سبيله غير سبيل الفرائض، ألا ترى أن بلالا كان يؤذن بليل والفرض المأمور بفعله إذا لم يكن محظورا في وقت، ولم يوقف المتعبد عليه، لم يمكنه إلى الوصول إلى فعله في الوقت المأمور به، وبالله التوفيق.
¬__________
(¬1) في (ج) أبيح.
Page 314