303

ولا أظن كراهيتهم للسجود على بعض ما دخل في جملة الإجماع إلا للتواضع والتذلل لله تعالى في حال السجود؛ ولأن في إجازة ذلك ما يؤمن معه من دواعي الفخر والخيلاء، وما يدخل صاحبه في زي الأعاجم والمترفين والمتنعمين، لما (¬1) كانوا عليه من الاقتداء بالسلف الصالح، أهل التواضع والتقشف، ولبس الخشن، (وأكل الخشن) (¬2) ، والإقتصاد في المطاعم والمشارب (¬3) والملابس، ولذلك كرهوا الركوب على سروج النمور، ومنعوا عن ذلك، لأن فعل ذلك وإباحته منهم لا يؤمن معه (¬4) الدخول في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من جر ثوبه في مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة) (¬5) . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أهديت إليه حلة فلبسها في الصلاة ثم نزعها وألقاها عن نفسه، وقال: إنها شغلتني عن صلاتي) (¬6) فهذا فيما نراه والله أعلم من قولهم كنحو كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لبس الحلة المشهورة في السنة، وقد كان علي بن أبي طالب يكره لبس جلود الثعالب المدبوغة، وسائر الملابس الداعية إلى مشابهة زي المترفين والجبابرة والمتنعمين على غير وجه التحريم، وهذا يدل على ما تأولناه لأصحابنا من نهيهم من ركوب سروج جلود النمور، والسجود على الثياب والذهب والفضة، وقد يحتمل أن تكون كراهية على لبس القز ولخوف (¬7) النجاسة، وقد كان أكثر من يقوم بذلك في ذلك العصر الأعاجم والمجوس، وغيرهم من أهل الذمة، ومن لم يفرق بين الدبوغ وغيره والطاهر والنجس؛ ويدل على هذا كراهة السلف أكل الجبن، وقال: إنه وضع الأعاجم، وربما جعلوا فيه الأنفحة الميتة، وإنما ذلك إشفاق منهم من (¬8) تناول الحرام.

¬__________

(¬1) في (ج) بما.

(¬2) من (ج ).

(¬3) ساقطة من (ج).

(¬4) في (أ) منه.

(¬5) رواه النسائي والترمذي وأبو داود.

(¬6) رواه النسائي وابن ماجه.

(¬7) من (ج) و (أ) ولحوم.

(¬8) في (أ) و (ج) من.

Page 304