677

وكان لما ادعي عليه بما تقدم في صفر سنة إحدى وستين، وأمر بالنقلة، وشفع فيه بعد في أن لا ينتقل، أقام أشهرا يكثر الخجل، ثم انتقل وترك مفاتيح بيته المجاور لنا معه، وكان يتردد إليه، فلما رأى أن أمره لا يزداد إلا إدبارا، وأمر الله لا يزداد إلا ظهورا وإقبالا انقطع، وأرسل يستعطفني، فلم أفعل؛ لما أعلم من طبعه على الرداءة، واني إن أجبت يصير القيام في ردعه عن بعض فساده عسرا، فلما لم يقدر مني على شيء مما يريد، ولا ظفر بمقاربة انقطع بالكلية إلى أن كان أول رجب هذا، فعاد على ما كان عليه من الأذى، بل زاد أن ابنته، وكانت معروفة بالغناء في المحافل جمعت من يشبهها في الفجور، وغنت بهن ثاني ليلة من عوده أو ثالثه، فلم أظن أنها هي، وظننت في بعض المجورين لنا، فأنكرت عليه بكرة تلك الليلة، فحلف لي أنه لا يعلم من ذلك شيئا، ولم يكن نائما في الحارة،فتتبعت ذلك، فأخبرت أنها هي، فقلت لذلك المخبر: إن عادت جمعنا من يشهد، ثم تكلمنا معهم، فمرض عقب ذلك، واستمر إلى أن مات في التاريخ المذكور وحقق الله قوله تعالى: {لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}[إبراهيم:13-14]، وقوله في القصة التي كنت بها في الميعاد: { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}[الأعراف:129].

وكان مآل أمري معه ما استنبطته من قصة بني إسرائيل مع المصريين، من بغضهم للغريب، ورفع الله له عليهم؛ وذلك أنهم سجنوا يوسف عليه السلام بعدما رأوا الآيات ببراءته، فرفعه الله عليهم بأن جعل حياتهم في ذلك القحط على يده، فكان جزاؤهم له أن استعبدوا بنيه وبني إخوته وذبحوا أبناءهم، ثم أنقذهم الله منهم وأهلك المصريين، ثم لم يزل بنو إسرائيل الذين ربوا في مصر في كفران ما يرونه من النعم، حتى أقسم الله أنه لا يدخلهم إلى الأرض المقدسة فتوههم إلى أن ماتوا وكان يسميهم في التوراة الجيل المعوج وما رحل إلى القدس إلا أبناؤهم الذين ربوا أو ولدوا في التيه.

Page 56