Iẓhār al-ʿAṣr li-Asrār Ahl al-ʿAṣr
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
من الأشواق العظيمة إلى مشاهدة الذات الكريمة، جمع الله الشمل بها في خير وعافية، وسلامة وافرة وافية على أحسن الوجوه وأجملها وأفضلها وأكملها، ليسكن ما بالقلب من أزيز وما ذلك على الله بعزيز، وأن مطالعة المملوك تقدمت إلى خدمته أدام الله عليه سوابغ نعمته على يد نور الدين محمود الحلبي، تتضمن ما أنهاه من جهة ذلك الصبي الجاهل الغبي، الذي زين له الشيطان وذووه ما زينوا له من سلوك طريق الشر ما بينوا، وحضوا على ذلك وأغروه وسلبوه من الدين وأعروه، واستثار العزم الكريم، والمجد الصميم في كفاية أمره وإطفاء جمره، وإخماد شرره شره على المألوف، من همته العلية، والمعروف من غيرته الدينية، وقيامه بحقوق الصحبة المؤسسة على التقوى والمحبة التي يشهد بها عالم السر والنجو يعلي الوجه الجميل المشكور، وعاد جواب نور الدين المذكور بإنكار المخدوم لذلك الأمر المذموم، وما صدر منه من أنواع الإحسان، ومساعدته بالقلب واللسان، واهتمامه بسد الذريعة وصيانة منصب الشريعة من كل حائد عن طريقها ير معدود من فريقها، مفسد في الأرض، معرض عن يوم العرض، غير مهتم بالسنة والفرض، ولا ملئ بوفاء القرض كهذا التعيس وأمثاله، الملجج في بحر ضلاله، الغافل عما سيحل به من عقاب الله ونكاله وتحريضه، أمتع الله بحياته، وبارك في حسناته، وحفه باللطف من جميع جهاته، لكل من ظن به الخير من الأعيان المواظبين عليه في سائر الأحيان، وأعظمهم المقر السيفي بردبك الأشرفي، عامله الله بلطفه الخفي ووقاه شر الأشرار، ونظمه في سلك عباده الأبرار، حتى سد على المذكور طرقه، بعد أن علم اختلافه وخرقه، وتحقق كذبه واختلاقه، وإفكه وائتلاقه، وما قرره عند السلطان خلد الله ملكه، وأجرى في بحر السعادة فلكه، من سيرة الأخ التي خبرها وعرفها لما سبرها، وتأملها واعتبرها، ونشر بعبارته الحسنة خبرها، وما حصل من العطف الشريف بسفارته وإيصالها إلى المسامع الشريفة بحسن عبارته، وأنه بالغ في ردع ذلك الشيطان، واستجلب بردعه وقمعه الأدعية لمولانا السلطان، وشاع ذلك بالشام وذاع وفاض، حتى ملأ الأسماع، فتضاعفت الأدعية بطول بقائه، ودوام عزه وارتقائه، والله يسر القلوب بما يرد من تلقائه، ويجزيه أفضل ما جزى صديقا عن صديقه، ويمده بتأييده وتسديده وتوفيقه. ومما تجدد من الأمور والحوادث القاصمة للظهر، المثيرة للحزن الكامل، المجرية للدمع الهامل، موت الشيخ الإمام العالم، ذي القلب الأنور، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المؤسس للخير أحسن التأسيس، المتصدي للإفتاء والتدريس، شمس الدين البلاطنسي نور الله رمسه، وضاعف في الجنة أنسه، فيا له من خطب أجرى العبرات وأثار الحسرات، وأضرم بالقلوب الجمرات وكانت له جنازة بعد العهد بمثلها، وتزاحم الأعيان على حملها، عليها من الوقار والسكينة ما دل على مكانته المكينة، وعم الحزن لكل من بالمدينة إلا ما كان من أهل الفساد والبوار والكساد، وقضاة الجور الحائدين عن واضح السبيل، المعترضين بحلول العقاب الوبيل، فقد كان لهم رادعا، وبالحق صادعا، وللإنكار عليهم مسارعا، ولمن سلك مسلكهم قامعان ومنهم هذا الصبي الذي نبغ وبلغ من قلة الدين والعقل ما بلغ وأمعن في الاختلاق علينا مع انتسابه إلينا، وما أوليناه من الجميل والإحسان الجزيل حتى إنه لما تنجز توقيعا بنيابته الخطابة عن المملوك، وسلك في الاستطالة على مباشرها أقبح السلوك، وهو الشيخ الجليل عبد الرحمن بن خليل قال: أنا بهذا الفاسق أخبر ووالله لئن صعد هذا المنبر لأجذبنه بطوقه وأرميه على وجهه من فوقه، ولا أوافق على الصلاة خلف فاسق مثله، مع ما أعرف من قلة دينه وعقله، ولما بدر منه بعد ذلك ما بدر وصدر من أفعاله القبيحة ما صدر أشار بضربه وحبسه، وعزم على تعاطي ذلك بنفسه، ولام الأخ على إهمال ذلك غاية اللوم، واستمر عاتبا عليه بهذا السبب من ذلك اليوم، ولقد كن رأيه في ذلك سديدا، وشوره مباركا سعيدا، وبصيرته منورة، وحقائق الأشياء في مرآتها مصورة، ولهذا الصبي الغبي النازل من الخذلان في المنزل الوبيء أب جاهل، عن الآخرة ذاهل، الأم من مارد يسمى عبد القادر، باشر تقدمة ناحية من نواحي البلاد الصفدية، فأقصي وأبعد؛ لسيرته الردية، معروف بسوء الطريقة من زمن الصبا، وهو الآن بالشام، يتعاطى الرباء، أشاع أن ابنه ولي القضاء، فضاق على المسلمين بذلك القضاء، وارتمضوا من سماع هذا الكلام، وقالوا: يا لله، للإسلام صبي ذو فرية لا يصلح لقضاء قرية يلي منصبا وليه السبكي، إن هذا مما يؤلم ويبكي، فقال شخص من الفضلاء الأذكياء النبلاء: تولى شييخ قضا جلق
فيا لك من حادث ممرض وهول يشيب رأس الرضيع
فيصبح كالكرسف الأبيض ويا لك من كارث مؤلم
لكل إمرئ مسلم مرمض فنوحوا على الدين وابكوا دما
وفروا إلى الله مما قضى وتوبوا إلى ربكم توبة
نصوحا بصدق له يرتضي عساه يهيئ له قاتلا
بسيف صقيل له ينتضي يريح البرية من وجهه
فما وجهه بمنير وضي ولو قيل للكلب من بعده
تعال تول القضاء ما رضي »ثم قال: هذا لا يكون، ويأبى الله ذلك والمؤمنون، ولا يجتمع على المسلمين مصيبتان، جليلتان عظيمتان: موت هذا العالم التقي، وولاية هذا الجاهل الشقي، فوالله لو خرج الدجال، وتبعه، وانضم إليه، وصار معه، وسعى عنده في القضاء، ما التفت إلى كلامه وسمعه، ولا علق بالوصول إلى ذلك طمعه، ولو رشاه بكل شيء اكتسبه، من الحرام وجمعه، ولزجره عن ذلك وردعه وقمعه، ونرجو الله أن يرغم بمنعه أنف الشيطان، وأن لا يدنس بهذه السيئة صحائف السلطان، وأن يملأها بالحسنات المشرق نورها، العظيمة أجورها، العاصم من الآفات سورها، وأن يوفقه إلى منعه وزجره وردعه ومقابلته على اجترائه واختلاقه وافترائه وعدم توليته منصبا من المناصب الشرعية، عملا بما أوجبه عليه رب البرية، من العدل في الرعية، فهو ولي التوفيق، والهادي إلى سوء الطريق، وبه نعتصم مما يصم ونستجير مما يضير، ونستعين، وهو نعم المعين، وبالله باري النسم، وهو أشرف القسم لو ولي هذه الوظيفة من تبرأ به الذمة، وتطمئن بولايته نفوس الأمة، من أهل الخير والديانة، والعفة والصيانة، والعقل والرصانة، والثقة والأمانة؛ لأحببنا ذلك وما كرهناه، واستصوبناه وما أنكرناه، وحمدنا الله عليه وشكرناه، والله العالم بالنيات، المطلع على الخفيات، وما تكنه الطويات، وأنتم في حفظ الله وأمانه، وكفالة اللطف وضمانه، وجميع الأحباب والإخوان والأصحاب، ونحن في انتظار الجواب، المحصل للثواب». كتب سلخ صفر سنة ثلاث وستين وثمانمائة. فكتبت إليه أدام الله نعمه عليه: «وبعد، فقد وصلت أمثلة المخدوم تبث جميل المحبة، وصحيح المودة، وصافي النية، وحسن الطوية في الخلة الإبراهيمية، وتثني على ذلك الجلال، بقبح الخلال، وتخبر أن كف شره بإدامة ضره من أمتن عرى الدين، فإنه من أكبر المفسدين، فبادر العبد إلى ما دعي إليه وحث عليه، فإذا المذكور أبو الشرور، وأخو النجاس والفجور، وعم القبائح والزور، قد ادعى الإمامة عند أولي الرئاسة والزعامة، فأول ما بدئ وهو في شوطه كالنعامة بضربة صمصامة، نثرت منه الهامة، وطحنت عظامه وقطعت أقدامه، فأزالت إقدامه وأوجبت إحجامه، ووصلت سقامه وأطارت حمامه، فعجلت حمامه وشالت منه النعامة؛ وذلك أنه سئل عن الفرق بين اسمه واسم العمامة، فصار كأنه قلامة على قمامة، أو مضغة بين يدي أسامة، فاعترته ندامة وكف شهامة، وعلته وهو ذميم دمامة، وأبعدت عنه كما كانت الكرامة، وكتب عليه قسامة أن لا يفجر أمامه، فويل له من كذبه يوم القيامة، لا كتب الله عليه سلامة يومه وشهره وعامه، بل دهره وما قدامه، ونبه سيدي رفع الله أعلامه نفذ سهامه، وسدد لامه، على أن بعد ذلك الثقيل الدنيء الذليل من أعظم أنواع التقدس؛ فإنه بئس الخليل، وأقام على ذلك الدليل بأنه أسبخ خرطبيل، وأبوه شيخ العشير في بلاد الجليل، فامتثل العبد ذلك الواجب الجليل وقام فيه بالقال والقيل، وجرد له من ذلك اللسان الطويل كل حسام صقيل، ورماه بكل حجر ثقيل، حتى صار من الهم عليل، ولم يبق له خليل، غير حمص بليل، هو الآن له عويل، وسد في وجهه كل سبيل، فهو في بكاء وعويل، وهم طويل، ما له مثيل، وصار مثلا لجيل بعد جيل، على أنه أقل من القليل، والأمر فيه كما قيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
Page 38