592

وفي هذا الحد مات ناصر الدين محمد المازوني، المطرب، عن نحو خمسين سنة، وكان عجبا من العجب في جميع أموره؛ كان شكلا حسنان وطولا مؤنقا، وكان له صوت لم ير مثله، حتى إني سمعت جماعة ممن يوثق به في معرفة الأنغام؛ كالقاضي كمال الدين بن البارزي، وشهاب الدين أحمد الأذرعي الإمام، وسيدي يحيى بن العطار، أنه ربما لم يكن في عصر الرشيد مثله، وكانوا يشهدون له بأنه يملك التصرف في صوته ملكا لا يقدر على مثله غيره، وكان مع ذلك صيتا ما أظن أني رأيت أعلى صوتا منه، وكان في الذروة من الحظوة عند الخاص والعام ، وكان مسرفا على نفسه، فكان له حظ من النساء، والصبيان لم يسمع بمثله، يتهافتون عليه أعظم من تهافت الفراش على النور، حتى أني سمعت أن بعض الصبيان كن يظهر غاية السرور بفسقه به فما ظنك بالنساء ذوات الشهوات، ثم إنه قذف في قلبه أن يتوب، ففعل واستمر على ذلك مدة ثم أخذ في انحطاط الصوت قبل موته بنحو السنتين أو أكثر، ثم خرس، فكان لا يقدر أن ينطق بكلمة سوى الله، فكان يبكي على نفسه، واستمر على ذلك نحو ثمانية أشهر إلى أن مات في التاريخ المذكور رحمه الله، وعفى عنه.

وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى هذا عزل صلاح الدين محمد بن أمير حاج من الحسبة، ووليها قانباي اليوسفي المهمندار، وكان قبل ذلك بأيام قد أخرجت عنه مصر القديمة، ووليها شخص يقال له البوشي، فما زاد على أن غرم ماله، وبهذل الوظيفة، وهكذا يكون الأمر إذا ولي المناصب غير أكفائها، فلا قوة إلا بالله.

Page 355