313

وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرية، ورد الخبر من نائب حلب، أن القاضي مجد الدين سالما الحنبلي قتل عبد الرحمن بن قاضي عنتاب؛ لأنه أدعي عليه عنده عليه بكلمات كفرية، وأنه قتل ولده، وجاريته، فحكم بكفره وأراد قتله، فذكر عبد الرحمن أن بينه وبين القاضي ما يمنع حكمه فيه، وذكر أشياء من الخصومات المشهورة بينهما بتلك الديار، فمنعه النائب من قتله إلا بطريقة الشرعي، واجتماع القاضي على ذلك، فأخذه من السجن ليلا إلى بيته وخنقه، وأخرجه في مستهل صفر ميتا على رأس حمار ينادي عليه، هذا جزاء من يكفر بالله، وأقل جزائه، ثم ألقاه على باب دار السعادة، فغضب السلطان من ذلك، وطلب القضاة، وفاوضهم في ذلك، يوم الأربعاء تاسع عشريه، فأجمعوا على خطأ القاضي، واتفقوا على قتله، فكان ذلك من أغرب الأمور، أن يجزم بقتل غائب، بكتاب نائب من نواب البلاد من غير أن تعرف حجته على تقدير صحرة الإنهاء، فإنا لله وغنا إليه راجعون، وذهب القاصد لرفعه إلى القلعة، لينظر ما يفعل فيه، ثم استفتى السلطان القضاة، فكتبوا خطوطهم بأنه يقتل إن كان قتله عدوانان فكانت هذه أدهى وأمر، وشاع أن القضاة أفتوا بقتله، وجهزت مراسيم بذلك، ثم جهزت مراسيم بأن يضرب كل شاهد شهد عليه خمسمائة، فكانت هذه القضية من أغرب القضايا أولا وآخرا، وسر هذا الخباط فيها؛ أن ناظر الخاص كان شديد البغض في كاتب السر ابن الشحنة، شديد الحب لأهانته، ثقيلا عليه ولايته، عزيزا عليه اتصاله بالملك، ورأى أن غرض نائب حلب غرض إهانة سالم، وأن السلطان يراعي نائب حلب، وأن ذلك على خلاف غرض ابن الشحنة. لأمرين: الأول أنه خلاف الحق، الثاني أن سالما من محبي ابن الشحنة، وابن قاضي عنتاب من أعدائه، فقام في ذلك أشد قيام، وشمر فيه عن ساعد الجد، وكشف القناع على أن زندقة ابن قاضي عنتاب بلغت حد التواتر، وجاءت كتب أهل الخير من حلب بتحسين ما فعل سالم، من ذلك كتاب شخص يقال له عبد الرحمن بن داود، شاب نشأ في عبادة الله، والاشتغال بالعلم، والتحلي بخلال الخير، فكتب إلى كاتب السر ما نصه ومن خطه نقلت: «هو الله الحق البصير، العظمة لك، والبقاء لوجهك، يا ولي التوفيق، وقاصم كل كافر وزنديق، عز مجد ربنا وجل ذكره، وتقدس كماله، ولا إله غيره ثم ليعلم سيدنا شيخ الإسلام أيده الله، أن أهل الحق، من أهل حلب قاطبة شكروا الله سبحانه سرورا بمقتل عدو الله المارق من دين الإسلام، الذي قد شاع وذاع بين من يعرفه من المسلمين زندقته واستخفافه بالجناب الإلهي، والشرع المحمدي، ولله الحمد والمنة على ظهور الدين الحنيفي، ونفوذ أمره، والله أكبر على كل متكبر يطغى في دين الله، ويطعن أو يحط من قدره، ونبرأ إلى الله من خاذلي الأحكام الشرعية، وناصري رهط الضلالة على أهل العصابة الإيمانية، استرسالا مع حظوظ نفوسهم المدنسة، وإباء عن الانتصار للشريعة المقدسة، ومع ذلك يزعمون أنهم سلم لك، وحرب لأعدائك، كذبوا والله، فإنهم لا عهد لهم، فالله الله يا سيدي إلا ما دحضت حجج الباطل بسيف الحق».

ثم رسم بتجهيز مثال إلى نائب حلب، بأن يضرب كل واحد من الشهود الذين شهدوا على ابن قاضي عنتاب خمسمائة عصا.

Page 25