180

وكان في غاية الكذب والإساءة إلى أصحابه، ما ترك أحدا أحسن إليه، أو عول في أمر عليه، من شر على قدر إحسانه، كان أكثر الناس برا له وإفضالا عليه بنو البارزي، فإنه كان في غاية السقوط في أول أمره، فأحسن إليه القاضي ناصر الدين ابن البارزي كاتب سر المؤيد، وأجرى عليه الخيرات والإنعامات، ولم يزل يرقيه حتى صار حاجب الحجاب، ولما مات قام ابنه الكمال محمد مقامه، فزوجه أخته، وزاد على أبيه في الإفضال عليه، والإحسان إليه، ثم ترقت به الأحوال، فصار أمير آخور، ثم أتابك العساكر، وولي السلطنة، وأمتعة القاضي كمال الدين وأخته مرهونة على دين استدانه له لما ذهب مع الأمراء إلى البلستين، ولم يدع جهدا في الإحسان إليه وإقامة حرمته، فلما ولي السلطنة لم يبق جهدا في انتقاص الكمال وإهانته، كما هو مذكور في مواضعه حتى مات قهرا وقتل صبرا. لم يتهن بالعيش بعده، ومازال في شدة بعد شدة حتى لحقه قبل مضي سنة، وهو مع مقاساته للشدائد، ملازم لإهانة أهل الدين ساع في وهن شريعة المسلمين، ولم يدع من أصحابه أحدا حتى نكبه كما سلف في مواطنه، كالشمس الكاتب، والولي السفطي، والقوام العجمي وغيرهم، ولم يدع أحدا من أكابر المسلمين ودعائم الشريعة، حتى بالغ في إهانته، فعل مع شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر ما ذكر في أماكنه، وتهدده بأن يركبه حمارا ويطوفه، ثم يحبسه في المقشرة، كما حدثني به المحب بن الأشقر عن سماعه من السلطان ذلك التهديد، وتهدد قاضي القضاة شيخ الإسلام سعد الدين بن الديري بالمقشرة، وأما فعله مع قاضي القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام السراج البلقني فمذكور فيما مضى، وغير هؤلاء صب عليهم ما لا يليق فعله بأسقاط الناس. ومن أعظم الأدلة على بغضه لأهل الدين، مع إظهاره التدين والنسك، أنه سنة ولي الملك رسم بقراءة البخاري من أول شهر رجب، وكانت عادة من قبله أن تكون قراءته في شهري شعبان ورمضان، وكان السامعون نحو ستين، فزادهم حتى جاوزوا المائة، فلما تمكن أعاد الأمر إلى عادته في الاقتصار على شهرين، ثم اقتصر على شهر رمضان فقط، ثم أبطل الخلع التي كانت لأكابر السامعين، ثم نقص البقية من صررهم، فكان لكل رجل ألف فجعلها خمسمائة، ثم قطع جميع ذلك، لم يعط أحدا درهما، على أن مجموع ذلك لا يزيد عن ألف دينار، مع أنه يعطي آحاد التركمان الخمسة آلاف دينار وأكثر في غير طائل.

وكان مغرما بخرق العوائد، ورفع الأراذل على الأماثل، مع إظهار ما لا تغلبه الحدة فيه من ذلك في قوالب دين، ليعذره في ذلك من لا تدبر له، وهم الغالب. لم يمت حتى جعل الناس شيعا، وشعبهم شعبا وفرقا نسأل الله إصلاح الأحوال، وتشييد ما أوهى من أركان الكمال، إنه الكبير المتعال البر الوال.

Page 305