179

وكان هذا الرجل من مشكلات الدهر، يرى أكثر الناس أن أموره كلها متناقضة، بينما هو في أعلى أفعال الخير، إذا هو في أدنى دركات الشر، فلا يعرف حقيقته إلا قليل من أولي البصائر والألباب، وهي أنه رجل شجاع مقدام عاقل داهية، مكار بعيد الغور، شديد الحدة، مطبوع على الشر والجبروت والحقد والحسد وازدراء الناس، ومحبة جميع الأموال من أي وجه كان، وتبذيرها في أي سبيل اتفق، وعشق الأذى، لاسيما لأهل الدين، لاسيما أعيانهم، فهو يمشي بعقلة على الطريق المستقيم، ليرى أنه من أهل الدين، ويجري في الحدة بطبعه اللئيم، فيعلم أنه معتد أثيم، وشيطان رجيم، فلما كان دون السلطنة؛ كان الخوف من السقوط يطفئ حدته، فيخفي طبعه، ويسير بعقله فيلازم الخير وأهله، من العلماء والصلحاء والمساكين، وينقاد لهم، ويتكرم عليهم مع إظهار الزهد والتقشف، والرضى بخشن العيش، فكان يقطع أكثر الناس، أنه في غاية الديانة والرقة والاستقامة، فلما ولي السلطنة وتمكن بطول الزمان زال ذلك الخوف، فظهرت عليه الحدة فقادت الطبع شيئا فشيئا، فكان كلما طعن في السن، زاد في الشر بمقدار ذلك، إلى أن كان آخر سنيه شرها وأسوأها وأضرها، وكان لو ضاعته قبل السلطنة وحقده مدخل كبير في أذى غالب الناس؛ فإنهم كانوا يعاملونه على حسب ما يظهر هو في ذلك الزمان، فينقصونه عما في نفسه، فيحقد عليهم، فما ظفر بعد بأحد منهم إلا بالغ في أذاه، وكثير منهم كان أذاه لهم سبب هلاكهم، ومن مات منهم قبل سلطنته آذى أولاده إن كانوا، أو أقاربه إن لم يكن له أولاد، ويظهر ذلك كله في قوالب دين، وتغلبه الحدة فيحكي ما اتفق له مع من أذاه، فبعضهم ادعى عليه شيئا، وبعضهم ورد عليه مرة فما أضافه وإن بالغ في إحسانه إليه في غير تلك المرة، ونحو ذلك من الأمور، فيعلم أن الأذى بسبب ذلك، لا بما جعله سببا في الحال.

Page 303