1299

فإذا كان العلاف مع كونه من رؤساء المعتزلة لم يفهم مراد الشيخ والتبس عليه بالجبر المحض مع أنه بمعزل عنه بل لا تتراءا ناراهما فزعم نحو المؤلف أنه مما لا يعقل ليس ببعيد بمعنى أنه لا يعقله هو وأمثاله، إما للعصبية أو لالتباسه عليهم بالجبر الخالص، وقد اتضح الفرق بينهما اتضاحا تاما لمن لم تمنعه غشاوة العصبية عن فهمه أو عن قبوله بعد فهمه، ولعمرك إن الرجوع [682] إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فإن نصحت نفسك فصدق به فإنه مما قال الله ورسوله وهو دين الله الذي جاء به الصادق الأمين ولا تنظر أنه بلغك عن الأشعري أو غيره من أتباعه وهو عندك كما تعرف، فإن الحكمة ضالة الحكيم فحيثما وجدها التقطها، وقد بذلنا النصح لمن قبل والله الهادي، وهذا القدر من بيان قول الشيخ الأشعري وإيضاحه كاف لمن أنصف واعترف بالحق ناصحا نفسه فلنقتصر عليه هنا.

أقول: ما كان أغنى المعترض عن التعرض للحمار والعلاف وما أغناه عن هذا النصح منه والاتصاف بالإنصاف وقد جاء كلامنا السابق على ما في هذه القطعة ضمنا وصريحا إلا أنا كما استوفينا كلامه برمته فرارا من غمزة جاهل ولمزة ذاهل فلنتكلم عليه هنا بما سنح لنا فنبدأ بنقض هذا الكلام إجمالا ثم نأتي على إبطاله تفصيلا.

أما الإجمال فاعلم أن القدرة صفة شأنها التأثير على وفق الإرادة عقلا واتفاقا أعني أنها مستبعدة للتأثير إجماعا فإذا تعلقت بالفعل على وفق الإرادة صار لها التأثير بالفعل لا بالقوة أي أن ما كان ثابتا لها بالاستعداد والقوة يخرج من القوة إلى الفعل عند تعلها بالفعل ولا يعقل تعلقها بالفعل بدون تأثير فيه لأن القادر المختار الذي هو متصف بها لا يتصور أنه يريد تعلقها بالفعل إلا إرادة الفعل وحينئذ فالفعل الذي يريده والعمل الذي يختاره إن كان عبارة عن التاثير والتحصيل فقد تم المطلوب وإن كان عبارة عن الكسب لزم المحال وهو أن تكون تعلق القدرة والإرادة للكسب مع أنه عبارة عن تعلقهما كما صرح به المعترض فيلزم تقدم الشيء على نفسه وهو محال ظاهر.

Page 1434