169

Al-Iʿtiṣām li-l-Shāṭibī muwāfiq li-l-maṭbūʿ

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

Publisher

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١)، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَعْلِيمًا غَيْرَ عَقْلِيٍّ، ثُمَّ تَوَارَثَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ كَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ فَرَّعَتِ الْعُقُولُ مِنْ أُصُولِهَا تَفْرِيعًا تَتَوَهَّمُ اسْتِقْلَالَهَا بِهِ.
وَدَخَلَ (٢) فِي الْأُصُولِ الدَّوَاخِلُ حَسْبَمَا أَظْهَرَتْ ذَلِكَ أزمنة الفترات؛ إذ لم تجر مصالح أهل (٣) الْفَتَرَاتِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، لِوُجُودِ الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ (٤)، وَظُهُورِ أوجه الفساد (٥).
فلولا أن الله تعالى منّ (٦) على الخلق ببعثة الأنبياء ﵈ لَمْ تَسْتَقِمْ (٧) لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلَا جَرَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى كَمَالِ مَصَالِحِهِمْ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ (٨) فِي أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الأُخروية، فَأَبْعَدُ عن مجاري (٩) العقول (١٠) مِنْ جِهَةِ وَضْعِ أَسْبَابِهَا، وَهِيَ الْعِبَادَاتُ مَثَلًا، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَشْعُرُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ الدَّارِ الْأُخْرَى وَكَوْنِهَا آتِيَةً، فَلَا بُدَّ وَأَنَّهَا (١١) دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الَّذِي يُدْرِكُ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ أن يشعر به (١٢).

(١) سورة البقرة، آية (٣١)، وقد روى نحو هذا القول عن قتادة. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٨٢).
(٢) في (م) و(ر) و(ت): "دخل"، بدون الواو.
(٣) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٤) الهرج هو القتل كما فسّره النبيّ ﷺ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل، القتل"، رواه مسلم (١٨/ ٣١ مع شرح النووي).
ومن معاني الهرج الفتنة والاختلاط. الصحاح (١/ ٣٥٠).
(٥) أشار المؤلف إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات (٢/ ٤٨).
(٦) في (ط): "فلولا أن منَّ الله".
(٧) في (م) و(خ) و(ت): "يستقيم"، وكلا اللفظين صحيح في اللغة.
(٨) ساقطة من (ت).
(٩) في (م): "مجار"، وفي (ط): "مصالح".
(١٠) في (ط): "المعقول".
(١١) ساقطة من (م) و(ت).
(١٢) في (خ) و(ط): "بها".

1 / 62