ومدت يدها تطبق أناملها على شفتي وهي تعرض بوجهها عني، فسكت وأطرق كل منا مستغرقا في تفكيره.
وسمعتها تقول حزينة مجهدة: أصغ إلي. لقد جالدت العذاب طويلا يا أوكتاف، ولتشهد السماء على أنني أبذل حياتي فداء لك، وما دام أمامي بصيص من الأمل أتحمل كل عذاب للاتجاه إليه، ولكنني مضطرة إلى تذكيرك بأنني امرأة، ولو أغضبك هذا التصريح، وللمرأة حدود تقف قواها عندها؛ فلا تقاوم الطبيعة البشرية بإصرارك على استنطاقي، فإنني لن أجيب على سؤالك، وليس بوسعي الآن إلا أن أجثو لآخر مرة على قدميك متوسلة إليك أن نسرع في الرحيل.
وترامت نحوي، فهببت أصيح: إنه لمجنون من يحاول - ولو مرة واحدة في حياته - أن يفوز بالحقيقة من فم امرأة. إنه ليعود بغنيمة الاحتقار وقد استحقها.
إن من يتوصل إلى كشف حقيقة المرأة إنما هو المتنصت إلى هذيانها في نومها، أو المستنطق خادمتها بقوة الرشوة، وما يعرف المرأة إلا من استحال امرأة ليهتك بدناءتها الأشباح الملفعة بالظلام. أما الرجل الذي يطلب هذه الحقيقة بكل صراحة وإخلاص، الرجل الذي يمد يدا تأنف الدنايا مستجديا هذه الحسنة الرائعة؛ فإنه لن يظفر بها طوال حياته. إن المرأة تحترس من أمثال هذا الرجل، فلا تجيب على سؤاله إلا بهز كتفيها، وإذا ما خانه الجلد انتصبت في وجهه كعذراء الهيكل غاضبة لعفافها وصيانتها، وهل تدافع المرأة إذا شعرت بالريبة تدور حولها بسوى آية النساء العظمى: إن في الشك مقتل الحب، وما تغتفر المرأة إهانة لا يسعها أن تجيب عليها.
أما والله، لقد ثقل هذا الحال علي، فإلى أي زمن سيدوم؟
فقالت وقد تجمدت نبراتها برودا على شفتيها: لك أن تضع له حدا؛ فإنه ليرهقني بقدر ما يرهقك. - سأضع له حدا في هذه اللحظة، فأنا هاجرك إلى الأبد، وللزمان أن يفعل فعله ليبررك.
الزمان! الزمان! هذه كلمة الوداع، أيتها العاشقة الباردة.
تذكري وداعك هذا عندما يمر الزمان فتفتشين عبثا عن السعادة والحب والجمال. أين فجيعتك لفقدي أيتها العاشقة؟
إن كل ما يمر في ذهنك الآن هو أن المحب الغيور سيدرك يوما ما ارتكب من ظلم عندما ينطح البرهان بصره، فيعلم أي قلب أدمى، وعندئذ تسح دموعه خجلا من نفسه، فيفقد لذة العيش، ويهجره وسنه، وتصبح حياته مأتما ينوح به على أيام كان له أن يقضيها فرحا سعيدا، ولكن ألا يخطر لك أن معشوقة هذا التعس قد تقف مذعورة في ذلك الحين من نتائج انتقام الزمان لها، فتصرخ قائلة: ليتني فعلت ما كان يجب فعله قبل فوات الأوان.
صدقيني! إن كبرياء هذه العاشقة لن تأتيها بأية تعزية إذا كانت أحبت حقيقة.
Unknown page