وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ التَّارِيخَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالذَّاتِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الأَحْوَالِ، وَالطَّبَقَاتِ يُنْظَرُ فِيهَا بِالذَّاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ.
وَلَكِنَّ الأَوَّلَ (^١) أَشْبَهُ.
الثَّانِيَةُ: يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ: "فُلَانٌ الْمُتَوَفَّى" وَأَنْتَ (^٢) فِي فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا بِالْخِيَارِ، وَالْكَسْرُ مُوَجَّهٌ بِالْمُسْتَوفِي لِمُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى قِرَاءَةِ عَلِيٍّ ﵁ فِي فَتْحِ اليَاءِ (^٣)؛ أَيْ: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ. وَإِنْ حُكِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْودِ الدُّؤَلِيَّ كَانَ مَعَ جَنَازَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ الْمُتَوَفِّي؟ بِكَسْرِ الْفَاءِ، فَقَالَ: اللهُ. وَأَنَّهَا كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ لِأَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِالنَّحْوِ، فَقَدْ قِيلَ، يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحِكَايَةِ: إِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ وَيَتَعَقَّلُهُ (^٤) خُصُوصًا وَهُوَ الْقَائِلُ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ" (^٥).
وَأَمَّا غَايَتُهُ فَالتَّرَجِّي لِرِضَا اللهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَالأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
* * *
(^١) في أ: الأولى، والمثبت من باقي النسخ. وانظر: فتح المغيث، ٤/ ٤٩٨.
(^٢) في أ: وأتت، والمثبت من باقي النسخ.
(^٣) انظر: الزمخشري، الكشاف، ١/ ٤٥٨.
(^٤) في أ: أو تتغلقه، والمثبت من باقي النسخ.
(^٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٢٧) عن علي موقوفًا. وورد بألفاظ أخرى عن بعض الصحابة. انظر: السخاوي، الأجوبة المرضية، ١/ ٢٩٤؛ المقاصد الحسنة، رقم ١٨٠.