ومن ههنا وقعت الشبهة التي جعلت من أخطأ في فهم هذه التفرقة يجعل كل ما هو من أعمال الجوارح كفرًا أصغر بدعوى أنه عملي، وحتى إن ثبت له أن ذلك من الكفر الأكبر، عاد فقال - نظرًا لوجود هذه الشبهة عنده -: لكنه من أعمال الجوارح فهو كفر عملي، فهو إذن كفر أصغر لا ينقل عن الملة؟ فسبحان الله العظيم (١) .
ثانيًا: الخلط فيما هو لازم لإجراء الحكم في الدنيا على ظاهر الأمر، وما هو من أحكام الآخرة:
فإن القاعدة أن إجراء الحكم في الدنيا يجرى على ظاهر الأمر كما قال ﷺ في حديث أسامة بن زيد المتفق على صحته: "أفلا شققت عن قلبه"، وفي الصحيحين: "إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم".
وهي قاعدة مقررة في الأصول، وهي عمدة الشريعة وعليها تقوم الأحكام كلها كما يقول الشاطبي (٢):
"ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلًا على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرمًا حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه وفي سائر أحكام العاديات والتجربيات بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًا والأدلة على صحته كثيرة جدًا.
وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي، وعدالة العدل وجرحة المجرح، وبذلك تنعقد العقود وترتبط المواثيق إلى غير ذلك من الأمور، بل هو كلية التشريع وعمدة التكليف بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة" اهـ.
_________
(١) راجع كتاب "كفاية الأخيار"جـ٢ص٢٠٠ وبعدها في إثبات أن الكفر يثبت إما بقول أو عمل أو اعتقاد.
(٢) "الموافقات" جـ١ كتاب الأحكام القسم الثاني المسألة العاشرة ص٢٣٣.
1 / 44