فبلغ عمرًا الخبر فقال علي بهم فلما دخلوا عليه ومثلوا بين يديه قال لهم ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء إن أحدكم يريد مدحنا فينسب في قصيدته بخمسين بيتًا فما يبلغ مدحنا حتى تذهب حلاوة شعره وتعرى طلاوة رونقه وأبو العتاهية بدأ بذكرنا وختم بمدحنا ثم أرسل إلى أبي العتاهية أن أقم حتى أنظر في أمرك فأقام أيامًا فلم ير شيأً وكان عمرو ينتظر ما لا يجئ إليه من بعض أعماله فابطأ عليه فكتب إليه أبو العتاهية هذه الأبيات
يا ابن العلا ويا ابن القرم مرداس ... إني مدحتك في صحبي وجلاسي
أثنى عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حال عندها راسي
فقال عمرو لحاجبه اكففه عني أيامًا ففعل فلما طال على أبي العتاهية الانتظار كتب إليه يستحثه
أصابت علينا جودك العين يا عمرو ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر
أصابتك عين من سخائك صلبة ... ويا رب عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... وإن لم تفق منها رقيناك بالسور
فضحك عمرو وقال لصاحب بيت ماله كم عندك قال سبعون ألفًا قال ادفعها له واعذرني عنده ولا تدخله علي فإني أستحي منه ولقد أحسن ابن الرومي في مدح من رأى إنه قصر في عطائه فاعتذر منه
يعطي عطاء المحسن الخضل الندي ... عفوًا ويعتذر اعتذار المذنب
وما وقفت فيما طالعت من كتب الأدب على أحسن من قول القائل معتذرًا من تقصيره في معروف أسداه
لو انبسطت فيما تؤمله يدي ... لجدت به عفوًا ولو أنه الدنيا