Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فان تزلزل عن حكم الثبات فما . . . هو اليقين الذي يقوي به خلدي واليقين هو قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم ' وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ' وحكمه سكون النفس بالمتيقن أو حركتها إلى المتيقن وهو ما يكون الانسان فيه على بصيرة أي شيء كان فإذا كان حكم المبتغي في النفس حكم الحاصل فذلك اليقين سواء حصل المتيقن أو لم يحصل في الوقت كقوله ' أتى أمر الله ' وان كان لم يأت بعد ولكن تقطع النفس المؤمنة بأتيانه فلا فرق عندها بين حصوله وبين عدم حصوله وهو قول من قال لو كشف الغطاء ما أزددت يقينا مع ان المتيقن ما حصل في الوجود العيني فقال الله لنبيه ولكل عبد يكون بمثابته ' أعبد ربك حتى يأتيك اليقين ' فإذا أتاك اليقين علمت من العابد والمعبود ومن العامل والمعمول به وعلمت ما أثر الظاهر في المظاهر وما أعطت المظاهر في الظاهر وأعلم ان لليقين علما وعينا وحقا ولكل حق حقيقة وسيرد ذلك في باب له مفرد بعد هذا من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى وانما جعل له علما وعينا وحقا لانه قد يكون يقينا ما ليس بعلم ولا عين ولا حق ويقطع به من حصل عنده وهو صاحب يقين لاصاحب علم يقين وأختلف أصحابنا في اليقين هل يصح ان يكون يقين أتم من يقين أم لا فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في عيسى عليه السلام ' لو أزداد بقينا لمشى في الهواء ' أشار به إلى ليلة الأسراء وان باليقين صح له المشي في الهواء وهذا التفسير ليس بشيء فانه أسرى به ربه ليريه من آياته وبعث إليه بالبراق فكان محمولا في أسرائه ومثل هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه أشار بذلك إلى نفسه ومعلوم انه ليس أحد من البشر يماثله في اليقين لكنه ما مشى في الهواء بيقينه وانما جاءه جبريل عليه السلام بدابة دون البغل وفوق الحمار تسمى البراق فكان والبراق هو الذي مشى في الهواء ثم انه صلى الله عليه وسلم لما انتهى البراق به إلى الحد الذي أذن له نزل عنه وقعد في الرفرف وعلا به إلى حيث أراد الله وغفل الناس عن هذا كله فما أسرى به صلى الله عليه وسلم لقوة يقينه بل يقينه في قلبه على ما هو به من التعلق بالمتيقن العام كان ما كان لكنه مما فيه سعادته لانه وصف به في معرض المدح ولنا في اليقين جزء شريف وضعناه في مسجد اليقين مسجد إبراهيم الخليل في زيارتنا لوطا عليه السلام فقد يتيقن الجاهل انه جاهل والظان انه ظان والشاك انه شاك فيما هو فيه شاك وكل واحد صاحب يقين قاطع بحاله الذي هو عليه علما كان أو غير علم فان قلت فأين شرفه قلنا شرفه بشرف المتيقن كالعلم سواء ولهذا جاء بالألف والام في قوله حتى يأتيك اليقين يريد متيقنا خاصا ما هو يقين يقع المدح به بل هو يقين معين وقوله تعالى ' وما قتلوه يقينا ' يريد ما هو مقتول في نفس الأمر لا عندهم بل شبه لهم فهذا يقين مستقل ليس له محل يقوم به فانهم متيقنون انهم قتلوه والله ليس بمحل لليقين فلم يبق محل لليقين سوى القتل وهذا من باب قيام المعنى بالمعنى فان اليقين معنى والقتل معنى فالقتل قد تيقن في نفسه انه ما قام بعيسى عليه السلام فالقتل موصوف في هذه الآية باليقين وأصدق المعاني ما قام بالمعاني وهذه المسئلة عندنا من محارات العقول مما لا يقضي فيها بشيء وعند بعضنا يلحقه بالمحال وعند بعضهم ممكنة واقعة وبالجملة فاليقين عزيز الوجود في الأمور الطبيعية المعتادة فان العادة تسرق الطبع ولا سيما في الأمور التي بها قوام البدن الطبيعي فإذا فقد ما به يصل إلى ما به قوامه فانه يتألم والألم لا يقدح في اليقين فانه ما يضاده ولكن قل ان يتألم ذو ألم ألا ولابد ان يضطرب ويتحرك في نفسه ولا سيما ألم الجوع والعطش والبرد والحر والأضطراب يضاد اليقين فان اليقين سكون النفس إلى من بيده هذه الأمور المزيلة لهذه الآلام فيريد من قامت به الآلام سرعة زوالها طبعا وإذا كان هذا فنسلك في اليقين طريقة غير ما يتخيلها أهل الطريق وهو ان الأضطراب لا يقدح في اليقين إذا كان هبوب اليقين في أزالة تلك الآلام إلى جناب الحق لا إلى الأسباب المزيلة في العادة فان شاء الحق أزالها بتلك الأسباب أزالها بان يوجد عنده تلك الأسباب وان شاء أزالها بغير ذلك فصار متعلق اليقين الجناب الألهي لا غير وهذا قد يكون كثيرا في رجال الله ودرجات اليقين عند العارفين مائتان درجة ودرجة واحدة وعند الملامية مائة وسبعون درجة وهو ملكوتي جبروتي له إلى الملكوت نسبة واحدة وعند العارفين نسبتان لانه عند العارفين مركب من ست حقائق ونشأته عند الملامية من أربع حقائق وله السكون الميت والحي فبالسكون الحي يضطرب صاحبه وبالسكون الميت يتعلق بالله فما يضطرب فيه من غير تعيين مزيل بل بما أراد الله ان يزيلهملكوت نسبة واحدة وعند العارفين نسبتان لانه عند العارفين مركب من ست حقائق ونشأته عند الملامية من أربع حقائق وله السكون الميت والحي فبالسكون الحي يضطرب صاحبه وبالسكون الميت يتعلق بالله فما يضطرب فيه من غير تعيين مزيل بل بما أراد الله ان يزيله
الباب الثالث والعشرون ومائة في معرفة مقام ترك اليقين وأسراره
إذا وقف العبيد مع المريد . . . يزيل يقينه حكم الأراده
ويعطي الحق رتبته لئلا . . . يقيده فيقدح في العباده
فيفعل ما يشاء كما يشاء . . . بلا جبر ولا حكم لعاده
وقد دل الدليل بغير شك . . . ولا ريب على نفي الأعادة
لان الجوهر المعلوم باق . . . على ما كان في حكم الشهاده
فيخلع منه وقتا أو عليه . . . بمثل أو بضد للأفاده
أعلم وفقك الله اني أردت بنفي الأعادة الذي نقول انه لا يتكرر شيء في الوجود للأتساع الألهي وانما هي أعيان أمثال لا يدركها الحس أذ لا يدرك التفرقة بينها أريد بين ما انعدم منها وما تجدد وهو قول المتكلمين ان العرض لا يبقي زمانين لما كان اليقين فيه رائحة من مقاومة القهر الألهي مثل الصبر ترك أهل الله الأتصاف به وتعمله وطلبه من الله فإذا أتى من عند الله من غير تعمل من العبد قبله العبد أدبا مع الله ولم يرده على الله إذا أراد الله ان يصير هذا العبد محلالوجود هذا اليقين ويكون حكمه في هذا المحل التعلق بالله في دفع الضرر عن العبد فيكون ذلك سؤال اليقين وتعلقه بجانب الحق لا بتعلق العبد ولا بسؤاله وذلك لما كان العبد سببا في ظهور عين اليقين لعدم قيام اليقين بنفسه كان للمحل عند هذا اليقين يد أراد مكافأتها فيسأل اليقين موجده تعالى رفع الضرر عن هذا المحل أذ اليقين لا يوجد ألا لرفع الضرر وأما في حال المنفعة فلا حكم له ألا في أستدامتها لا فيها فانها حاصلة فان توهم العبد أزالتها فان اليقين يطلب من الله أستمرار وجودها في محله فبهذا القدر يكون ترك اليقين أي العبد لا يعترض على اليقين في سؤاله ربه ما شاء فهو تاركه يفعل ما يريد فلا يتصف العبد هنا بشيء ومع هذا التحقيق فالمسألة غامضة بعيدة التصور فالعبد في أصله مضطرب متزلزل الملك فلا يقين له من حيث حقيقته فانه محل لتجدد الأعراض عليه واليقين سكون وهو عرض فلا ثبوت له زمانين والله تعالى كل يوم في شان وأصغر الأيام الزمن الفرد فقد ابنت لك ان أهل الله في نفوسهم بمعزل عما يطلبه اليقين وان اليقين هو السائل ولهذا قال له حتى يأتيك اليقين فيكون اليقين هو الذي يسأل ويتعب وانت مستريح فأفهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فان الوقوف مع أرادة الله لا يتمكن معها سكون أصلا لانه خروج عن حقيقة النفس والشيء لا يخرج عن حقيقته أذ خروج الشيء عن حقيقته محال فلا طمانينية مع المريد ألا عن بشرى فانه يسكن عند ذلك لصدق القول وتكون البشرى معينة موقتة وحينئذ يكون له السكون إليها وهو اليقين وقد ورد ان الملائكة يخافون من مكر الله ولا يقين مع الخوف فان سكن العبد إلى قوله فعال لما يريد لا يزول عنه فذلك السكون قد يسمى يقينا ولكن يورث في المحل خلاف ما يطلب من حكم اليقين الذي أصطلح عليه أهل الله وأما نحن فاليقين عندنا موجود في كل أحد من خلق الله وانما يقع الخلاف بمإذا يتعلق اليقين فاليقين صفة شمول وليست من خصوص طريق الله التي فيها السعادة ألا بحكم متيقن ما فهذا تحقيقه والله الموفق لا رب غيره
Page 202