657

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

ما الوحي الجواب ما تقع به الأشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة فان العبارة تجوز منها إلى المعنى المقصود بها ولهذا سميت عبارة بخلاف الأشارة التي هي الوحي فانها ذات المشار إليه والوحي هو المفهوم الأول والإفهام الأول ولا أعجل من ان يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه فان لم تحصل لك هذه النكتة فلست صاحب وحي ألا ترى ان الوحي هو السرعة ولا سرعة أسرع مما ذكرناه فهذا الضرب من الكلام يسمى وحيا ولما كان بهذه المثابة وانه تجلي ذاتي لهذا ورد في الخبر ان الله إذا تكلم بالوحي كان سلسلة على صفوان صعقت الملائكة ولما تجلى الرب للجبل تدكدك الجبل وهوحجاب موسى فانه كان ناظر إليه طاعة لأمر الله فلاح له عند تدكدك الجبل الأمر الذي جعل الجبل دكا فخر موسى صعقا حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا مإذا قال القائل ربكم قالت الملائكة الحق قالت الحقيقة وهوالعلي الكبير هذه النسبة من حيث هويته فالوحي من ما يسرع أثره من كلام الحق تعالى في نفس السامع ولا يعرف هذا إلا العارفون بالشؤون الإلهية فانها عين الوحي الإلهي في العالم وهم لا يشعرون فافهم وقد يكون الوحي أسراع الروحي الإلهي الأمري بالايمان بما يقع به الإخبار والمفطور عليه كل شئ مما لا كسب له فيه من الوحي أيضاكالمولود يتلقى ثدي أمه ذلك من أثر الوحي الإلهي إليه كما قال ' ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ' ' ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ' وقال تعالى ' وأوحى ربك إلى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ' فلولا ما فهمت من الله وحيه لما صدر منها ما صدر ولهذا لا يتصور المخالف إذا كان الكلام وحيا فان سلطانه أقوى من ان يقاوم ' وأوحينا إلى أم موسى ان أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ' وكذا فعلت ولم تخالف مع ان الحالة توزن انها ألقته في الهلاك ولم تخالف ولا ترددت ولا حكمت عليها البشرية بان إلقاءه في اليم في تابوت من أخطر الأشياء فدل على ان الوحي أقوى سلطان في نفس الموحى إليه من طبعه الذي هو عين نفسه قال تعالى ' ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ' وحبل الوريد من ذاته فيا أيها الولي إذا زعمت ان الله أوحى إليك فانظر في نفسك في التردد أو المخالفة فان وجدت لذلك أثرا بتدبير أو تفصيل أو تفكر فلست صاحب وحي فان حكم عليك وأعماك وأصمك وحال بين فكرك وتدبيرك وأمضى حكمه فيك فذلك هو الوحي وانت عند ذلك صاحب وحي وعلمت عند ذلك ان رفعتك وعلو منصبك ان تلحق بمن تقول انه دونك من حيوان ونبات وجماد فان كل ما سوى مجموع الانسان مفطور على العلم بالله إلا مجموع الانسان والجان فانه من حيث تفصيله مفطور على العلم بالله كسائر ما سواه من المخلوقات من ملك ونبات وحيوان وجماد فما من شئ فيه من شعر وجلد ولحم وعصب ودم وروح ونفس وظفر وناب إلا وهو عالم بالله تعالى بالفطرة بالوحي الذي تجلى له فيه وهو من حيث مجموعته وما لجمعيته من الحكم جاهل بالله حتى ينظر ويفكر ويرجع إلى نفسه فيعلم ان له صانعا صنعه وخالقا خلقه فلو أسمعه الله نطق جلده أو يده أو لسانه أو رجله لسمعه ناطقا بمعرفته بربه مسبحا لجلاله ومقدسا ' يوم تشهد عليهم ألسنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون ' وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا فالانسان من حيث تفصيله عالم بالله ومن حيث جملته جاهل بالله حتى يتعلم أي يعلم بما في تفصيله فهو العالم الجاهل فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين فالانسان من حيث تفصيله صاحب وحي ومن حيث جملته لا يكون في كل وقت صاحب وحي

السؤال السابع والخمسون

Page 78