211

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

وفي كل طور له آية . . . تدل على أنني مفتقر ثم أجمل خلق النفس الناطقة الذي هو بها إنسان في هذه الآية فقال ثم أنشأناه خلقا آخر عرفك بذلك أن المزاج لا أثر له في لطيفتك وإن لم تكن نصا لكن هو ظاهر وأبين منه قوله فسواك فعدلك وهو ما ذكره في التفصيل من التقلب في الأطوار فقال في أي صورة ما شاء ركبك فقرنه بالمشيئة فالظاهر أنه لو اقتضى المزاج روحا خاصا معينا ما قال في أي صورة ما شاء وأي حرف نكرة مثل حرف ما فإنه حرف يقع على كل شيء فأبان لك أن المزاج لا يطلب صورة بعينها ولكن بعد حصولها تحتاج إلى هذا المزاج وترجع به فإنه بما فيه من القوى التي لا تدبره إلا بها فإنه بقواه لها كالآلات لصانع النجارة أو البناء مثلا إذا هيئت وأتقنت وفرغ منها تطلب بذاتها وحالها صانعا يعمل بها ما صنعت له وما تعين زيدا ولا عمرا ولا خالدا ولا واحدا بعينه فإذا جاء من جاء من أهل الصنعة مكنته الآلة من نفسها تمكينا ذاتيا لا تتصف بالاختيار فيه فجعل يعمل بها صنعته بصرف كل آلة لما هيئت له فمنها مكملة وهي المخلقة يعني التامة الخلقة ومنها غير مكملة وهي غير المخلقة فينقص العامل من العمل على قدر ما نقص من جودة الآلة ذلك ليعلم أن الكمال الذاتي لله سبحانه فبين لك الحق مرتبة جسدك وروحك لتنظر وتفتكر فتعتبر أن الله ما خلقك سدى وإن طال المدى وأما القصد الذي هو النية شرط في صحة هذا النظر بخلاف قال تعالى فتيمموا صعيدا طيبا أي اقصدوا التراب الذي ما فيه ما يمنع من استعماله في هذه العبادة من نجاسة ولم يقل ذلك في طهارة الماء فإنه أحال على الماء المطلق لا المضاف فإن الماء المضاف مقيد بما أضيف إليه عند العرب فإذا قلت للعربي أعطني ماء جاء إليك بالماء الذي هو غير مضاف ما يفهم العرب منه غير ذلك وما أرسل رسول ولا أنزل كتاب إلا بلسان قومه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين يقول تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون فلهذا لم يقل بالقصد في الماء لأنه سر الحياة فيعطي الحياة بذاته سواء قصد أم لم يقصد بخلاف التراب فإنه إن لم يقصد الصعيد الطيب فليس بنافع لأنه جسد كثيف لا يسري فروحه القصد فإن القصد معنى روحاني فافتقر المتيمم للقصد الخاص في التراب أو الأرض بخلاف أيضا ولم يفتقر المتوضىء بالماء بخلاف فقال اغسلوا ولم يقل تيمموا ماء طيبا فإن قالوا إنما الأعمال بالنيات وهي القصد والوضوء عمل قلنا سلمنا ما تقول ونحن نقول به ولكن النية هنا متعلقها العمل لا الماء والماء ما هو العمل والقصد هنالك للصعيد فيفتقر الوضوء بهذا الحديث للنية من حيث ما هو عمل لا من حيث ما هو عمل بماء فالماء هنا تابع للعمل والعمل هو المقصود بالنية وهنالك القصد للصعيد الطيب والعمل به تبع يحتاج إلى نية أخرى عند الشروع في الفعل كما يفتقر العمل بالماء في الوضوء والغسل وجميع الأعمال المشروعة إلى الإخلاص المأمور به وهو النية بخلاف قال تعالى ' وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وفي هذه الآية نظر وهذه مسئلة ما حققها الفقهاء على الطريقة التي سلكنا فيها وفي تحقيقها فافهم ولم يقل في الماء تيمموا الماء فيفتقر إلى روح من النية والماء في نفسه روح فإنه يعطي الحياة من ذاته قال تعالى وجعلنا من الماء كل شيء حي فإن كل شيء يسبح بحمد الله ولا يسبح إلا حي فالماء أصل الحياة في الأشياء ولهذا وقع الخلاف بين علماء الشريعة في النية في الوضوء هل هي شرط في صحته أو ليست بشرط في صحته والسر ما ذكرناه فإن قيل إن الإمام الذي لا يرى النية في الوضوء يراها في غسل الجنابة وكلا العبادتين بالماء وهو سر الحياة فيها قلنا لما كانت الجنابة ماء وقد اعتبر الشرع الطهارة منها لدنس حكمي فيها لامتزاج ماء الجنابة بما في الأخلاط وكون الجنابة ماء مستحيلا من دم فشاركت الماء في سر الحياة فتمانعا فلم يقو الماء وحده على إزالة حكم الجنابة لما ذكرنا فافتقر إلى روح مؤيد له عند الاغتسال فاحتاج إلى مساعدة النية فاجتمع حكم النية وهي روح معنوي وحكم الماء فأزالا بالغسل حكم الجنابة بلا شك كأبي حنيفة ومن قال بقوله في هذه المسئلة ومن راعى كون ماء الجنابة لا يقوى قوة الماء المطلق لأنه ماء استحال من دم كماء الجنابة إلى ممازجته بالأخلاط ومفارقته إياه بالكثافة واللونية قال قد ضعف ماء الجنابة عن مقاومة الماء المطلق فلم يفتقر عنده إلى نية كالحسن بن حي والمخالف لهما من العلماء ما تفطنوا لما رأياه هذان الإمامان ومن ذهب مذهبهما فاجعل بالك لما بينته لك ورجح ما شئت وصل وبعد أن تحققت هذا فاعلم أن الماء ما آن ماء ملطف مقطر في غاية الصفاء والتخليص وهو ماء الغيث فإنه ماء مستحيل من أبخرة كثيفة قد أزال التقطير ما كان تعلق به من الكثافة وذلك هو العلم الشرعي اللدني فإنه عن رياضة ومجاهدة وتخليص فطهر به ذاتك لمناجاة ربك والماء الآخر ماء لم يبلغ في اللطافة هذا المبلع وهو ماء العيون والأنهار فإنه ينبع من الأحجار ممتزجا بحسب البقعة التي ينبع بها ويجري عليها فيختلف طعمه فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج ومنه مرزعاق وماء الغيث على حالة واحدة ماء نمير خالص سلسال سائغ شرابه وهذه علوم الأفكار الصحيحة والعقول فإن علوم العقل المستفادة من الفكر يشوبها التغير لأنها بحسب مزاج المتفكر من العقلاء لأنه لا ينظر إلا في مواد محسوسة كونية في الخيال وعلى مثل هذا تقوم براهينها فتختلف مقالاتهم في الشيء الواحد أو تختلف مقالة الناظر الواحد في الشيء الواحد في أزمان مختلفة لاختلاف الأمزجة والتخليط والأمشاج الذي في نشأتهم فاختلفت أقاويلهم في الشيء الواحد وفي الأصول التي يبنون عليها فروعهم والعلم اللدني الإلهي المشروع ذو طعم واحد وإن اختلفت مطاعمه فما اختلفت في الطيب فطيب وأطيب فهو خالص ما شابه كدر لأنه تخلص من حكم المزاج الطبيعي وتأثير المنابيع فيه فكانت الأنبياء والأولياء وكل مخبر عن الله على قول واحد في الله إن لم يزد فلا ينقص ولا تخالف يصدق بعضهم بعضا كما لم يختلف ماء السماء حال النزول فليكن اعتمادك وطهورك في قلبك بمثل هذا العلم وليس إلا العلم بالشرع المشبه بماء الغيث وإن لم تفعل فما نصحت نفسك وتكون في ذاتك وطهورك بحسب ما تكون البقعة التي نبع منها ذلك الماء فإن فرقت بين عذبه وملحه فاعلم أنك سليم الحاسة وهذه مسئلة لم أجد أحدا نبه عليها فإن آكل السكر بالحلاوة في السكر كذلك وفي مرارة الصبر ليس بصحيح ولا يقتضيه الدليل العقلي وقد نبهناك إن تنبهت فانظر ثم يا وليي استدرك استعمال علوم الشريعة في ذاتك وعلوم الأولياء والعقلاء الذين أخذوها عن الله بالرياضات والخلوات والمجاهدات والاعتزال عن فضول الجوارح وخواطر النفوس وإن لم تفرق بين هذه المياه فاعلم أنك سيء المزاج قد غلب عليك خلط من أخلاطك فما لنا فيك من حيلة إلا أن يتدارك الله برحمته نفسك فإذا استعملت من ماء هذه العلوم في طهارتك ما دللتك عليه وهو العلم المشروع طهرت صفاتك وروحانيتك به كما طهرت أعضاءك بالماء ونظفتها فأول طهارتك غسل يديك قبل ادخالهما في الإباء عند قيامك من نوم الليل بلا خلاف ووجوب غسلهما من نوم النهار بخلاف واليد محل القوة والتصريف فطهورهما بعلم لا حول في اليسرى ولا قوة إلا بالله العلي العظيم في اليمنى واليدان محل القبض والإمساك بخلا وشحا فطهرهما بالبسط والانفاق كرما وجودا وسخاء ونوم الليل غفلتك عن علم عالم غيبك ونوم النهار غفلتك عن علم عالم شهادتك فهذا عين تخلقك وتحققك بعالم الغيب والشهادة من الأسماء الحسنى المضافة ثم بعد هذا الاستنجاء والاستجمار والجمع بينهما أفضل من الإفراد فهما طهارتان نور في نور مرغب فيهما سنة وقرآنا فإن استنجيت وهو استعمال الماء في طهارة السوأتين لما قام بهما من الأذى وهما محل الستر والصوم كما هما محل إخراج الخبث والأذى القائم بباطنك وهو ما تعلق بباطنك من الأفكار الرديئة والشبه المضلة كما ورد في الصحيح إن الشيطان يأتي إلى الإنسان في قلبه فيقول له من خلق كذا من خلق كذا حتى نقول فمن خلق الله فطهارة هذا القلب من هذا الأذى ما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعاذة والانتهاء وهما عورتان أي مائلتان إلى ما يوسوس به نفسه من الأمور القادحة في الدين أصلا وفرعا فإن الدبر هو الأصل في الأذى فإنه ما وجد إلا لهذا والفرجان الآخران في الرجل والمرأة فرعان عن هذا الأصل ففيهما وجه إلى الخير ووجه إلى الشر وهو النكاح والسفاح ألا ترى النجاسة إذا وردت على الماء القليل أثرت فيه فلم يستعمل وإذا ورد الماء على النجاسة أذهب حكمها كذلك الشبه إذا وردت على القلوب الضعيفة الإيمان االضعيفة الرأي أثرت فيها وإذا وردت على البحر استهلكت فيه كذلك القلوب القوية المؤيدة بالعلم وروح القدس كذلك الشبه إذا جاء بها شيطان الإنس والجن إلى المتضلع من العلم الإلهي الريان منه قلب عينها وعرف كيف يرد نحاسها ذهبا وقزديرها فضة يا كسير العلم اللدني الذي عنده من عناية الرحمة الإلهية التي أناه الله بها وعرف وجه الحق منها وآثر فيها فهذا سر الاستنجاء الروحاني فإن استجمر هذا المتوضي ولم يستنج فاعلم أن ذلك طهور المقلد فإن الجمرة الجماعة ويد الله مع الجماعة ولا يأكل الذئب إلى القاصية وهي التي بعدت عن الجماعة وخرجت عنها وذلك مخالفة الإجماع والاستجمار معناه جمع أحجار أقلها ثلاثة إلى ما فوقها من الأوتار لأن الوتر هو الله فلا يزال الوتر مشهودك والوتر طلب الثار وهو هنا ما ألقااه الشيطان من الشبه في إيمانك فتجمع الأحجار للإنقاء من ذلك الخبث القائم بالعضو فالمقلد إذا وجد شبهة في نفسه هرب إلى الجماعة أهل السنة فإن يد الله كما جاء مع الجماعة ويد الله تأييده وقوته وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مفارقة الجماعة ولهذا قام الإجماع في الدلالة على الحكم المشروع مقام النص من الكتاب أو السنة المتواترة التي تفيد العلم فهذا يكون استجمارك في هذه الطهارة ثم مضمض بالذكر الحسن لتزيل به الذكر القبيح من النميمة والغيبة والجهر بالسوء من القول فلتكن مضمضتك بالتلاوة وذكر الله وإصلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول وقال مشاء بنميم وقال لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وما أشبه ذلك فهذه طهارة فيك وقد فتحت لك الباب فأجر في وضوئك وغسلك وتيممك في أعضائك على هذا الأسلوب فهو الذي طلبه الحق منك وقد استوفينا الكلام على هذه الطهارة في التنزلات الموصلية فانظرها هنالك نثرا ونظما وقد رميت بك على الطريق ولتصرف هذه الطهارة بكمالها في كل مكلف منك فإن كل مكلف منك مأمور بجميع العبادات كلها من طهور وصلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد وغير ذلك من الأعمال المشروعة وكل مكلف فيك تصرفه في هذه العبادات بحسب ما تطلبيه حقيقته لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها وقد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي بين كيف تستعمله فيها وهم ثمانية أصناف لا يزيدون لكن قد ينقصون في بعض الأشخاص وهم العين والأذن واللسان واليد والبطن والفرج والرجل والقلب لا زائد في الإنسان عليهم لكن قد ينقصون في بعض أشخاص هذا النوع الإنساني كالأكمه والأخرس والأصم وأصحاب العاهات فمن بقي من هؤلاء المكلفين منك فالخطاب يترتب عليه ومن خطاب الشارع تعلم جميع ما يتعلق بكل عضو من هؤلاء الأعضاء من التكاليف وهم كالآلة للنفس المخاطبة المكلفة بتدبير هذا البدن وأنت المسؤول عنهم في إقامة العدل فيهم فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انقطع شسع نعله خلع الأخرى حتى يعدل بين رجليه ولا يمشي في نعل واحد وقد بيناها بكمالها وما لها من الأنوار والكرمات والمنازل والأسرار والتجليات في كتابنا المسمى مواقع النجوم ما سبقتا في علمنا في هذا الطريق إلى ترتيبه أصلا وقيدته في أحد عشر يوما في شهر رمضان بمدينة المرية سنة خمس وتسعين وخمسمائة يغني عن الأستاذ بل الأستاذ محتاج إليه فإن الأستاذين فيهم العالي والأعلى وهذا الكتاب على أعلى مقام يكون الأستاذ عليه ليس وراءه مقام في هذه الشريعة التي تعبدنا بها فمن حصل لديه فليعتمد بتوفيق الله عليه فإنه عظيم المنفعة وما جعلني أن أعرفك بمنزلته إلا أني رأيت الحق في النوم مرتين وهو يقول لي انصح عبادي وهذا من أكبر نصيحة نصحتك بها والله الموفق وبيده الهداية وليس لنا من الأمر شيء ولقد صدق الكذوب إبليس رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمع به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عندك فقال إبليس لتعلم يا رسول الله أن الله خلقك للهداية وما بيدك من الهداية شيء وإن الله خلقني للغواية وما بيدي من الغواية شيء لم يزده على ذلك وانصرف وحالت الملائكة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل وبعد أن نبهتك على ما نبهتك عليه مما تقع لك به الفائدة فاعلم أن الله خاطب الإنسان بجملته وما خص ظاهره من باطنه ولا باطنه من ظاهره فتوفرت دواعي الناس أكثرهم إلى معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم وغفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم إلا القليل وهم أهل طريق الله فإنهم بحثوا في ذلك ظاهرا وباطنا فما من حكم قرروه شرعا في ظواهرهم إلا ورأوا أن ذلك الحكم له نسبة إلى بواطنهم أخذوا على ذلك جميع أحكام الشرائع فعبدوا الله بما شرع لهم ظاهرا وباطنا ففازوا حين خسر الأكثرون ونبغت طائفة ثالثة ضلت وأضلت فأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم وما تركت من حكم الشريعة في الظواهر شيأ تسمى الباطنية وهم في ذلك على مذاهب مختلفة وقد ذكر الإمام أبو حامد في كتاب المستظهري له في الرد عليهم شيأ من مذاهبهم وبين خطأهم فيها والسعادة إنما هي مع أهل الظاهر وهم في الطرف والنقيض من أهل الباطن والسعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن وهم العلماء بالله وبأحكامه وكان في نفسي أن أخر الله في عمري أن أضع كتابا كبيرا أقرر فيه مسائل الشرع كلها كما وردت في أماكنها الظاهرة وأقررها فإذا استوفينا المسئلة المشروعة في ظاهر الحكم جعلنا إلى جانبها حكمها في باطن الإنسان فيسري حكم الشرع في الظاهر والباطن فإن أهل طريق الله وإن كان هذا غرضهم ومقصدهم ولكن ما كل أحد منهم يفتح الله له في الفهم حتى يعرف ميزان ذلك الحكم في باطنه فقصدنا في هذا الكتاب إلى الأمر العام من العبادات وهي الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والتلفظ بلا إله إلا الله محمد رسول الله فاعتنيت بهذه الخمسة لكونها من قواعد الإسلام التي بني الإسلام عليها وهي كالأركان للبيت فالإيمان هو عين البيت ومجموعه وباب البيت الذي يدخل منه إليه وهذا الباب له مصراعان وهما التلفظ بالشهادتين وأركان البيت أربعة وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج فجردنا العناية في إقامة هذا البيت لنسكن فيه ويقينا من زمهرير نفس جهنم وحرورها قال النبي صلى الله عليه وسلم اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فما كان من سموم وحرور فهو من نفسها وما كان من برد وزمهرير فهو من نفسها فاتخذ الناس البيوت لتقيهم حر الشمس وبرد الهواء فينبغي للعاقل أن يقيم لنفسه بيتاص يكنه يوم القيامة من هذين النفسين في ذلك اليوم لأن جهنم في ذلك اليوم تأتي بنفسها تسعى إلى الموقف تفور تكاد تميز من الغيظ على أعداء الله فمن كان في مثل هذا البيت وقاه الله من شرها وسطوتها ولما كانت الطهارة شرطا في صحة الصلاة أفردنا لها بابا قدمناه بين يدي باب الصلاة ثم يتلوها الزكاة ثم الصوم ثم الحج ويكفي في هذا الكتاب هذا القدر من العبادات فأتتبع أمهات مسائل كل باب منها وأقررها بالحكم الكلي باسمها في الظاهر ثم انتقل إلى حكم تلك المسئلة عينها في الباطن إلى أن أفرغ منها والله يؤيد ويعين بيان وإيضاح فأول ذلك تسميتها طهارة وقد ذكرنا ذلك في أول الباب ظاهرا وباطنا فلنشرع إن شاء الله في أحكامها وهو أن ننظر في وجوبها وعلى من تجب ومتى تجب وفي أفعالها وفيما به تفعل وفي نواقضها وفي صفة الأشياء التي تفعل من أجلها كما فعلته علماء الشريعة وقررته في كتبها وقد انحصر في هذا أمر الطهارة ولننظر ذلك ظاهرا وباطنا وإنما نومىء إليه ظاهرا حتى لا يفتقر الناظر فيها إلى كتب الفقهاء فيغنيه ما ذكرناه ولا نتعرض للأدلة التي للعلماء على ثبوت هذا الحكم من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس في مذهب من يقول به لطرد علة جامعة يراها بين المنطوق عليه والسكوت عنه لا أتعرض إلى أصول الفقه في ذلك ولا إلى الأدلة إذ العامة ليس منصبها النظر في الدليل فنحن نذكر أمهات فروع الأحكام ومذاهب الناس فيها من وجوب وغير وجود وصل نقول أوولا أجمع المسلمون قاطبة من غير مخالف على وجوب الطهارة على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتهها وأنها تجب على البالغ حد الحلم العاقل واختلف الناس هل من شرط وجوبها الإسلام أم لا هذا حكم الظاهر فأما الباطن في ذلك وهي الطهارة الباطنة فنقول إن باطن الصلاة وروحها إنما هو مناجاة الحق تعالى حيث قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحديث فذكر المناجاة يقول العبد كذا فيقول الله كذا فمتى أراد العبد مناجاة ربه في أي فعل كان تعينت عليه طهارة قلبه من كل شيء يخرجه عن مناجاة ربه في ذلك الفعل ومتى لم يتصف بهذه الطهارة في وقت مناجاته فما ناجاه وقد أساء الأدب فهو بالطرد أحق وسأذكر في أفعالها تقاسيم هذه الطهارة في الحكم إن شاء الله وأما قول العلماء إنها تجب على البالغ العاقل بالإجماع واختلفوا في الإسلام فكذلك عندنا تجب هذه الطهارة على العاقل وهو الذي يعقل عن الله أمره ونهيه وما يلقيه الله في سره ويفرق بين خواطر قلبه فيما هو من الله أو من نفسه أو من لمة الملك أو من لمة الشيطان وذلك هو الإنسان فإذا بلغ في المعرفة والتمييز لي هذا الحد وعقل عن الله ما يريد منه وسمع قول الله تعالى وسعني قلب عبدي وجب عليه عند ذلك استعمال هذه الطهارة في قلبه وفي كل عضو يتعلق به على الحد المشروع فإن طهارة البصر مثلا في الباطن هو النظر في الأشياء بحكم الاعتبار وعينه فلا يرسل بصره عبثا ولا يكون مثل هذا إلا لمن تحقق باستعمال الطهارة المشروعة في محلها كلها قال تعالى إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار فجعلها للأبصار والاعتبار إنما هو للبصائر فذكر الأبصار لأنها الأسباب المؤدية إلى الباطن ما يعتبر فيه عين البصيرة وهكذا جميع الأعضاء كلها وأما قول العلماء في هذه الطهارة هل من شرط وجوبها الإسلام فهو قولهم هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وإن المنافق إذا توضأ هل أدتى واجبا أم لا وهي مسئلة خلاف تعم جميع الأحكام المشروعة فمذهبنا أن جميع الناس كافة من مؤمن وكافر ومنافق مكلفون مخاطبون بأصول الشريعة وفروعها وأنهم مؤاخذون يوم القيامة بالأصول وبالفروع ولهذا كان المنافق في الدرك الأسفل من النار وهو باطن النار وإن المنافق معذب بالنار التي تطلع على الأفئدة إذ أتى في الدنيا بصورة ظاهر الحكم المشروع من التلفظ بالشهادة وإظهار تصديق الرسل والأعمال الظاهرة وما عندهم في بواطنهم من الإيمان مثقال ذرة فبهذا القدر تميزوا من الكفار وقيل فيهم إنهم منافقون قال تعالى ' إن المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ' فذكر الدار فالمنافقون يعذبون في أسفل جهنم والكافرون لهم عذاب في الأعلى والأسفل فإن الله قد رتب مراتب وطبقات للعذاب في نار جهنم لأعمال مخصوصة بأعضاء مخصوصة على ميزان معلوم لا يتعداه فالمؤمن ليس للنار اطلاع على محل إيمانه البتة فما له نصيب في النار التي تطلع على الأفئدة وإن خرج عنه هناك فإن عنايته سارية في محله من الإنسان وإنما يخرج عنه ليحميه ويرد عنه من عذاب الله ما شاء الله كما خرج عنه في الدنيا إذا أوقع المعصية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمن يشرب الخمر ويسرق ويزني إنه لا يفعل شيأ من ذلك وهو مؤمن حال فعله وقال إن الإيمان يخرج عنه في ذلك الوقت حال الفعل وتأول الناس هذا الحديث على غير وجهه لأنهم ما فهموا مقصود الشارع وفسروا الإيمان بالأعمال فقالوا إنه أراد العمل فأبان النبي صلى الله عليه وسلم مراده بذلك في الحديث الآخر فقال صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا زنى خرج عنه الإيمان حتى يصير عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان فاعلم أن اعلحكمة الإلهية في ذلك أن العبد إذا شرع في المخالفة التي هو بها مؤمن إنها مخالفة ومعصية فقد عرض نفسه بفعله إياها لنزول عذاب الله عليه وإيقاع العقوبة به وإن ذلك الفعل يستدعي وقوع البلاء به من الله فيخرج عنه إيمانه الذي في قلبه حتى يكون عليه مثل الظلة فإذا نزل البلاء من الله يطلبه تلقاه إيمانه فيرده عنه فإن الإيمان لا يقاومه شيء ويمنعه من الوصول إليه رحمة من الله وما بعد بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ولهذا قلنا إن العبد المؤمن لاا يخلص له أبدا معصية لا تكون مشوبة بطاعة وهي كونه مؤمنا بها إنها معصية فهو من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فقال الله عسى الله أن يتوب عليهم والتوبة الرجوع فمعناه أن يرجع عليهم بالرحمة فإنه تعالى تمم الآية بقوله إن الله غفور رحيم وقال العلماء إن عسى من الله واجبة فإنه لا مانع له ثم نرجع ونقول إنه لما كان الإيمان عين طهارة الباطن لم يتمكن أن يتصور الخلاف فيه كما تصور في الطهارة الظاهرة إلا بوجه دقيق يكون حكم الظاهر فيه في الباطن حكم الباطن في طهارة الظاهر فنقول من ذلك الوجه هل من شرط طهارة الباطن بالإيمان التلفظ به فينطق اللسان بما يعتقده القلب من ذلك أم لا فيكون في عالم الغيب إذا لم يظهر بما يعتقده في الباطن منافقاص كمنافق الظاهر في عالم الشهادة فإن المؤمن يعتقد وجوب الصلاة مثلا ولا يصلي ولا يتطهر كما أن المنافق يصلي ويتطهر ولا يؤمن بوجوبها عليه بقلبه ولا يعتقده أو لا يفعله لقول ذلك الرسول الذي شرعه له فهذا معنى ذلك إذا حققت النظر فيه حتى يسري الحكم في الظاهر والباطن على صورة ما هو في الظاهر من الخلاف والإجماع فاعلم ذلك وصل وأما أفعال هذه الطهارة فقد ورد بها الكتاب والسنة وبين فرضها من سننها من استحباب أفعال فيها ولهذه الطهارة شروط وأركان وصفات وعدد وحدود معينة في محالها فمن شروطها النية وهي القصد بفعلها على جهة القربة إلى الله تعالى عند الشروع في الفعل فمن الناس من ذهب إلى أنها شرط في صحة ذلك الفعل الذي لا يصح إلا بوجودها وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ولابد وهو مذهبنا وبه نقول في الطهارة الظاهرة والباطنة وهي عندنا في الباطن آكد وأوجب لأن النية من صفات الباطن أيضا فحكمها في طهارة الباطن أقوى لأنها تحكم في موضع سلطانها والظاهر غريب عنها فلهذا لم يختلف في علمنا في الباطن واختلف في ذلك في الظاهر وقد تقدم من الكلام في النية طرف يغني وذهب آخرون إلى أنها ليست بشرط صحة وأغنى ما ذكرناه في طهارة الوضوء بالماء وصل اختلف علماء الشريعة في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء الذي تريد الوضوء منه على أربعة أقوال فمن قائل إن غسلهما سنة بإطلاق ومن قائل إن ذلك مستحب لمن يشك في طهارة يده ومن قائل إن غسل اليد واجب على القائم من النوم في الإناء الذي يريد الوضوء منه ومن قائل إن ذلك واجب على المنتبه من نوم الليل خاصة وهذا حصر مذاهب العلماء في علمي في هذه المسئلة ولكل قائل حجة من الاستدلال يدل بها على قوله وليس كتابنا هذا موضع إيراد أدلتهم وتتميم حكم هذه المسئلة في الباطن غسل اليد هو طهارتها بما كلفه الشارع فيها بتركه وذلك على قسمين منه ما هو واجب ومنه ما هو مندوب إليه والواجب عندنا والفرض على السواء لفظان متواردان على معنى واحد فلا فرق عندنا إذا قلت أوجب أو فرض ثم نقول فالواجب إذا كانت اليد على شيء يحكم الشرع فيه عليها أنها غاصبة أو بكونه مسروقا أو بكونه وقعت فيه خيانة وكل ما لم يجوز لها الشارع أن تتصرف فيه والفروق في هذه الأحوال بينة فواجب طهارتها عن هذا كله وسيرد بماذا تطهر في موضعه إن شاء الله فواجبة عليها هذه الطهارة وأما الطهارة المندوب إليها فهي ترك ما في اليد من الدنيا مما هو مباح له إمساكه فندبه الشرع إلى إخراجه عن يده رغبة فيما عند الله وذلك هو الزهد وهي تجارة فإن لها عوضا عند الله على ما تركته والترك أعلى من الإمساك وهذه مسئلة إجماع في كل ملة ونحلة شرعا وعقلا فإن الناس مجمعون على أن الزهد في الدنيا وترك جمع حطامها والخروج عما بيده منها أولى عند كل عاقل هذا هو المندوب إليه في طهر اليد وهو السنة وأما المذهب في الاستحباب في طهارة اليد عند الشاك في طهارتها فهو الخروج عن المال الذي في يده لشبهة قامت له فيه قدحت في حله فليس له إمساكه وهذا هو الورع ما هو الزهد وإن كان له وجه إلى الحل فالمستحب تركه ولابد فإن مراعاة الحرمة أولى فإنك في إمساكه مسؤول وفي تركه للشبهة التي قامت عندك فيه غير مسؤول بل أنت إلى المثوبة على ذلك أقرب وهذا في الطهارة المندوب إليها أولى والاستحباب في الترك للمباح أولى وأما اختلافهم في وجوب غسلها من النوم مطلقا وفيمن قيد ذلك بنوم الليل فاعلم أن الليل غيب لأنه محل الستر ولذلك جعل الليل لباسا والنهار شهادة لأنه محل الظهور والحركة ولذلك جعله معاشا لابتغاء الفضل يعني طلب الرزق هنا من وجهه فالفضل المبتغي فيه من الزيادة ومن الشرف وهو زيادة الفضائل فإنه يجمع ما ليس له برزق فهو فضول لأنه يجمعه لوارثه أو لغيره فإن رزق الإنسان ما هو ما يجمعه وإنما هو ما يتغذى به فاعلم أن النائم في عالم الغيب بلا شك وإذا كان النوم بالليل فهو غيب في غيب فيكون حكمه أقوى والنوم بالنهار غيب في شهادة فيكون حكمه أضعف ألا تراه جعل النوم سباتا فهو راحة بلا شك وهو بالليل أقوى فإنه فيه أشد استغراقا من نوم النهار والغيب أصل فالليل أصل والشهادة فرع فالنهار فرع وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فالنهار مسلوخ من الليل فالليل لما كان يستر الأشياء ولا يبين حقائق صورها للأبصار أشبه الجهل فإن الجهل بالشيء لا يبين حكمه فمن جهل الشرع في شيء لم يعلم حكمه فيه ولما كان النائم في حال نومه لا يعلم شيأ من أمور الظاهر في عالم الشهادة في حق الناس كان النوم جهلا محضا إلا في حق من تنام عينه ولا ينام قلبه كرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من ورثته في الحال ولما كان النهار يوضح الأشياء ويبين صور ذواتها ويظهر للمتقي ما يتقي من الأمور المضرة وما لا يتقيه أشبه العلم فإن العلم هو المبين حكم الشرع في الأشياء ولما كان النائم بالنهار متصفا بالجهل لأجل نومه لأن النوم من أشداد العلم ربما مد يده وهو لا علم له أو رجله فيفسد شيأ مما لو كان مستيقظا لم يتعرض إلى فساده أوجب عليه الشرع الطهارة بالعلم من نوم الجهل إذا استيقظ فيعلم بيقظته حكم الشرع في ذلك فإنه ما كان يدري في حال نوم جهالته حيث جالت يده هل فيما أبيح له ملكه أو في ما لم يبح له ملكه كالمغصوب وأمثاله كما ذكرنا كما راعى المخالف قوله أين باتت يده واشتركا في النوم وإنما ذكر الشارع المبيت لأن غالب النوم فيه وهو أبدا يراعي الأغلب فجعل هذا الحكم في نوم الليل ومراعاة النوم أولى من مراعاة نوم الليل ويقول مراعي نوم الليل لذكر المبيتفإنه لما كان الإنسان إذا نام بالنهار قد يكون هناك إنسان أو جماعة إذا رأوا النائم يتحرك بيده أو برجله فتؤديه حركته تلك إلى كسر جرة أو غيرها أو صبي صغير رضيع تحصل يدهل على فمه فتؤذيه أو يمسك عنه خروج النفس فيموت وقد رأينا ذلك فيكون المستيقظ الحاضر يمنع من ذلك بإزالة الطفل القريب منه أو الجرة أو ما كان من أجل ضوء النهار الذي كشفه به ويقظته كذلك العالم مع الجاهل إذا رآه يتصرف بما لا علم له به بحكم الشرع فيه نبهه أو حال الشرع بينه وبين ذلك الفعل فوجب غسل اليد عندنا ولابد باطنا على الغافل وهو النائم بالنهار الجاهل وهو النائم بالليل وأما اعتبارنا بالطهارة قبل إدخالها في الإناء فإنه بالعلم والعمل خوطبنا فالعلم الماء والعمل الغسل وبهما تحصل اعلطهارة فغسلها قبل إدخالها في إناء الوضوء هو ما يقرره في نفسه من القصد الجميل في ذلك الفعل إلى جناب الحق الذي فيه سعادته عند الشروع في الفعل على التفصيل فهذا معنى غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء في طهارة الباطن وصل المضمضة والاستنشاق اختلف علماء الشريعة فيهما على ثلاثة أقوال فمن قائل إنهما سنتان ومن قائل إنهما فرض ومن قائل إن المضمضة سنة والاستنشاق فرض هذا حكمهما في الظاهر قد نقلناه فأما حكمهما في الباطن فمنهما ما هو فرض ومنهما ما هو سنة فأما المضمضة فالفرض منها التلفظ بلا إله إلا الله فإن بها يتطهر لسانك من الشرك وصدرك فإن حروفها من الصدر واللسان وكذلك في كل فرض أوجب الله عليك التلفظ به مما لا ينوب فيه عنك غيرك فيسقط عنك كفرض الكفاية كرجل أبصر أعمى على بعد يريد السقوط في حفرة يتأذى بالسقوط فيها أو يهلك فيتعين عليه فرضا أن ينادي به يحذره من السقوط بما يفهم عنه لكونه لا يلحقه فإن سبقه إنسان إلى ذلك سقط عنه ذلك الفرض الذي كان تعين عليه فإن تكلم به فهو خير له وليس بفرض عليه فإذا تمضمض في باطنه بهذا أو أمثاله فقد أصاب خيرا وقال خيرا وهو حسن القول وصدق اللسان طهور من الكذب والجهر بالقول الحسن طهور من الجهر بالسوء من القول وإن كان جزاء بقوله إلا من ظلم ولكن السكوت عنه أفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طهور من نقيضيهما فمثل هذا فرض المضمضة وسننها وكذلك الاستنشاق فاعلم إن الاستنشاق في الباطن لما كان الأنف في عرف العرب محل العزة والكبرياء ولهذا تقول العرب في دعائها أرغم الله أنفه وقد اتفق هذا على رغم أنفه والرغام التراب أي حطك الله من كبريائك وعزك إلى مقام الذلة والصغار فكنى عنه بالتراب فإن الأرض سماها الله ذلولا على المبالغة فإن أذل الأذلاء من وطئه الذليل والعبيد أذلاء وهم يطأون الأرض بالمشي عليها في مناكبها فلهذا سماها ببنية المبالغة ولا يندفع هذا ولا تزول الكبرياء من الباطن إلا باستعمال أحكام العبودية والذلة والافتقار ولهذا شرع الاستنثار في الاستنشاق فقيل له اجعل في أنفك ماء ثم استنثر والماء هنا علمك بعبوديتك إذا استعملته في محل كبريائك خرج الكبرياء من محله وهو الاستنثار ومنه فرض واستعماله في الباطن فرض بلا شك وأما كونه سنة فمعناه أنك لو تركته صح وضوءك ومحله في هذا القدر أنك لو تركت معاملتك لعبدك أو لمن هو تحت أمرك وهنا سر خفي يتضمنه رب اعطني كذا أو لمن هو دونك بالتواضع وأظهرت العزة وحكم الرياسة لمصلحة تراها أباحها لك الشارع فلم تستنشق جاز حكم طهارتك دون استعمال هذا الفعل وإن كان استعمالها أفضل فهذا موضع سقوط فرضها فلهذا قلنا قد يكون سنة وقد يكون فرضا لعلمنا أنه لو أجمع أهل مدينة على ترك سنة وجب قتالهم ولو تركها واحد لم يقتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغير على مدينة إذا جاءها ليلا حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار وكان يتلو إذا لم يسمع أذانا إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنظرين وما من حكم من أحكام فرائض الشريعة وسننها واستحباباتها إلا ولها في الباطن حكم أو أزيد على قدر ما يفتح للعبد في ذلك فرضا كان أو سنة أو مستحبا لا بد من ذلك وحد ذلك في سائر العبادات المشروعة كلها وبهذا يتميز حكم الظاهر من الباطن فإن الظاهر يسري في الباطن وليس في الباطن أمر مشروع يسري في الظاهر بل هو عليه مقصور فإن الباطن معان كلها والظاهر أفعال محسوسة فينتقل من المحسوس إلى المعنى ولا ينتقل من المعنى إلى الحس . ض بلا شك وأما كونه سنة فمعناه أنك لو تركته صح وضوءك ومحله في هذا القدر أنك لو تركت معاملتك لعبدك أو لمن هو تحت أمرك وهنا سر خفي يتضمنه رب اعطني كذا أو لمن هو دونك بالتواضع وأظهرت العزة وحكم الرياسة لمصلحة تراها أباحها لك الشارع فلم تستنشق جاز حكم طهارتك دون استعمال هذا الفعل وإن كان استعمالها أفضل فهذا موضع سقوط فرضها فلهذا قلنا قد يكون سنة وقد يكون فرضا لعلمنا أنه لو أجمع أهل مدينة على ترك سنة وجب قتالهم ولو تركها واحد لم يقتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغير على مدينة إذا جاءها ليلا حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار وكان يتلو إذا لم يسمع أذانا إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنظرين وما من حكم من أحكام فرائض الشريعة وسننها واستحباباتها إلا ولها في الباطن حكم أو أزيد على قدر ما يفتح للعبد في ذلك فرضا كان أو سنة أو مستحبا لا بد من ذلك وحد ذلك في سائر العبادات المشروعة كلها وبهذا يتميز حكم الظاهر من الباطن فإن الظاهر يسري في الباطن وليس في الباطن أمر مشروع يسري في الظاهر بل هو عليه مقصور فإن الباطن معان كلها والظاهر أفعال محسوسة فينتقل من المحسوس إلى المعنى ولا ينتقل من المعنى إلى الحس .

باب التحديد في غسل الوجه

Page 419