Al-Futūḥāt al-makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال خلقا وإبداعا فإنه تعالى يحب الجمال وما ثم جميل إلا هو فأحب نفسه ثم أحب أن يرى نفسه في غيره فخلق العالم على صورة جماله ونظر إليه فأحبه حب من قيده النظر ثم جعل عز وجل في الجمال المطلق الساري في العالم جمالا عرضيا مقيدا أحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل وراعى الحق ذلك على ما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب الذي خرجه مسلم في صحيحه أن الله جميل فهو أولى أن تحبه إذ وقد أخبرت عم نفسك أنك تحب الجمال وأن الله يحب الجمال فإذا تجملت لربك أحبك وما تتجمل له إلا باتباعي فاتباعي زينتك هذا قوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله أي تزينوا بزينتي يحببكم الله فإن الله يحب الجمال فأعذر الله المحبين بهذا الخبر لأن المحب لا يرى محبوبه إلا أجمل العالم في عينه فما أحب إلا ما هو جمال عنده لا بد من حكم ذلك ألا ترى إلى قوله أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فما رأى سوء العمل حسنا وإنما رأى الزينة التي زين له بها فإذا كان يوم القيامة ورأى قبح العمل فر منه فيقال له هذا الذي كنت تحبه وتتعشق به وتهواه فيقول المؤمن لم يكن حين أحببته بهذه الصورة ولا بهذه الصورة ولا بهذه الحلية أين الزينة التي كانت عليه وحببته إلي ترد عليه فإني ما تعلقت إلا بالزينة لا به لكن لما كان محلها كان حبي له بحكم التبع فيقول الله لهم صدق عبدي لولا الزينة ما استحسنه فردوا عليه زينته فيبدل الله سوءه حسنا فيرجع حبه فيه إليه ويتعلق به فما قال الهق هذا القول أعني زين له سوء عمله إلا ليلقن عبده الحجة إذا كان فطنا فلا ينبغي للمؤمن الكيس أن يهمل شيئا من كلام الله ولا كلام المبلغ عن الله فإن الله تعالى يقول فيه وما ينطق عن الهوى وقد ذم قوما اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وهم في هذا الزمان أصحاب السماع أهل الدف والمزمار نعوذ بالله من الخذلان
ما الدين بالدف والمزمار واللعب . . . لكنما الدين بالقرآن والأدب
لما سمعت كتاب الله حركني . . . ذاك السماع وأدناني من الحجب
حتى شهدت الذي لا عين تبصره . . . إلا الذي شاهد الأنوار في الكتب
هو الذي أنزل القرآن في خلدي . . . يوم الخميس بلا كد ولا نصب
إلا عناية ربي حين أرسلها . . . إلى فؤادي فنادتني على كثب
أنت الإمام الذي ترحى شفاعته . . . في المذنبين وأنت السر في النصب
لولاك ما عبدوا نجما ولا شجرا . . . ولا أتوا ما أتوا به من القرب فإن كلام المبلغ عن الله ما جاء به إلا رحمة بالسامع وهو إن كان فطنا كان له وإن كان حمارا كان عليه ولما كان الجمال يهاب لذاته والحق لا يهاب شيئا وقد وصفه العالم صلى الله عليه وسلم بأنه جميل والهيبة تجعل صاحبها أن يترك أمورا كان في نفسه في وقت حديث النفس أن يفعلها مع محبوبه عند الاجتماع به واللقاء فتمنعه هيبة الجمال مما حدثته به نفسه وقد وصف الله نفسه بالحياء من عبده إذا لقيه فقام الحياء لله مقام الهيبة في المخلوق فما اقتضى من حال العبد أن يؤاخذه به الله ولما لقيه استحيى منه فترك مؤاخذته ولذلك قال فيمن أخذ منهم أنهم يومئذ عن ربهم لمحجوبون فأرسل الحجاب بينهم وبينه فلو يروه فلو كانت الرؤية لكان الحياء القائم بالحق مقام الجمال في الخلق فالحكم واحد والعلة تختلف فحقق هذه الحضرة وتزين وتجمل تارة بنعتك من ذلة وافتقار وخشوع وخضوع وسجود وركوع وتارة بنعته عز وجل من كرم ولطف رأفة وتجاوز وعفو وصفح ومغفرة وغير ذلك مما هو لله ومن زينة الله التي ما حرمها الله على عباده فإذا كنت بهذه المثابة أحبك الله لما جملك به من هذه النعوت وهو الحب الذي ما فيه منة لأن الجمال استدعاه كالمغفرة للتائب والمغفرة لغير التائب فالمغفرة للتائب ما فيها منة فإن التوبة من العبد استدعت المغفرة من الله والمغفرة لغير التائب منه محضة قال تعالى في مغفرته الواجبة فسأكتها للذين يتقون ويؤتون الزكاة وغير المتقي والتائب يطلب رحمة الله ومغفرته من عين المنة فتجمل إن أردت أن ترتفع عنك منه الله من هذا الوجه الخاص ويكفيك حكم الامتنان بما وفقت إليه من التجمل بزينة الله فإن ذلك إنما كان برحمة الله كما قال فيما رحمة من الله لنت لهم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المسعر حضرة التسعير
إن المسعر رتب الأقواتا . . . ليبين الأحوال والأوقاتا
Page 270