Al-Futūḥāt al-makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فعين الحب عين الكون منه . . . وعينه وأظهره الوداد فلم يزل يحب فلم يزل ودودا فهو يوجد دائما في حقنا فهو كل يوم في الشأن ولا معنى للوداد إلا هذا فنحن بلسان الحال والمقال لا نزال نقول له افعل كذا افعل كذا ولا يزال هو تعالى يفعل ومن فعله فينا نقول له افعل أترى هذا فعل مكره لا مكره له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل هذا حكم الاسم الودود منه فإنه الغفور الودود ذو العرش المجيد الذي استوى عليه بالاسم الرحمن فإنه ما رحم إلا صبابة المحب وهي رقة الشوق إلى لقاء المحبوب ولا يلقاه إلا بصفته وصفته الوجود فأعطاه الوجود ولو كان عنده أكمل من ذلك ما بخل به عليه كما قال الإمام أبو حامد في هذا المقام ولو كان ادخره لكان بخلا ينافي الجود وعجزا يناقض القدرة فأخبر تعالى أنه الغفور الودود أي الثابت المحبة في غيبه فإنه عز وجل يرانا فيرى محبوبه فله الابتهاج به والعالم كله إنسان واحد هو المحبوب وأشخاص العالم أعضاء ذلك الإنسان وما وصف المحبوب بمحبة محبه وإنما جعله محبوبا لا غير ثم أن من رزقه أم يحبه كحبه إياه أعطاه الشهود ونعمه بشهوده في صور الأشياء فالمحبون له من العالم بمنزلة إنسان العين من العين وإن كان ذا أعضاء كثيرة فما يشهد ويرى منه إلا لعينان خاصة فالعين بمنزلة المحبين من العالم فأعطى الشهود لمحبيه لما علم حبهم فيه وهو عنده علم ذوق ففعل مع محبيه فعله مع نفسه وليس إلا الشهود في حال الوجود الذي هو محبوب للمحبوب فما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه فما خلقهم من بين الخلق إلا لمحبته فإنه ما يعبده ويتذلل إليه إلا محب وما عدا الإنسان فهو مسبح بحمده لأنه ما شهده فيحبه فما تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان وفي الإنسان في علمي فلذا ما فنى وهام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلي ربه فأعين العالم المحبون منه كان المحبوب ما كان فإن جميع المخلوقين منصات تجلى الحق فودادهم ثابت فهم الأوداء وهو الودود والأمر مستور بين الحق والخلق بالخلق والحق ولهذا أتى مع الودود الاسم الغفور لأجل الستر فقيل قيس أحب ليلى فليلى عن المجلي وكذلك بشر أحب هندا وكثير أحب عزة وابن الدريج أحب لبنى وتوبة أحب الأخيلية وجميل أحب بثينه وهؤلاء كلهم منصات تجلى الحق لهم عليها وإن جهلوا من أحبوه بالأسماء فإن الإنسان قد يرى شخصا فيحبه ولا يعرف من هو ولا يعرف اسمه ولا إلى من ينتسب ولا منزله ويعطيه الحب بذاته أن يبحث عن اسمه ومنزله حتى يلازمه ويعرفه في حال غيبته باسمه ونسبه فيسأل عنه إذا فقد مشاهدته وهكذا حبنا الله تعالى نجبه في مجاليه وفي هذا الاسم الخاص الذي هو ليلى ولبنى أو من كان ولا نعرف أنه عين الحق فهنا نحب الاسم ولا نعرف أنه عين الحق فهنا نحب الاسم ولا نعرف العين وفي المخلوق تعرف العين وتحب وقد لا يعرف الاسم ويأتي الحب إلا التعريف به أي بالمحبوب فمنا من يعرفه في الدنيا ومنا من لا يعرفه حتى يموت محبا في أمر ما فينقدح له عند كشف الغطاء أنه ما أحب إلا الله وحجبه اسم المخلوق كما عبد المخلوق هنا من عبده وما عبد إلا الله من حيث لا يدري ويسمى معبوده بمناة والعزى واللات فإذا مات وانكشف الغطاء علم أنه ما عبد إلا الله فالله يقول وقضى ربك أي حكم أن لا تعبدوا إلا إياه وكذلك كان عابد الوثن لولا ما اعتقد فيه الولهة بوجه ما عبده إلا أنه بالستر المسدل في قوله تعالى الغفور الودود لم يعرفه وليس إلا الأسماء ولذلك قال المعبود الحقيقي في نفس الأمر لما أضافوا عبادتهم إلى المجالي والمنصات قل سموهم فإذا سموهم عرفوهم وإذا عرفوهم عرفوا الفرق بين الله وبين من سموه كما تعرف المنصة من المتجلي فيها فتقول هذه مجلي هذا فيفرق
فهكذا الأمر إن عقلنا . . . فإن تكن فيه كنت أنتا
منصة الحق أنت حقا . . . فأنت ما أنت حين أنتا
فقد ملكت الذي أردنا . . . وقد علمت الذي عبدنا
فليس ليلى وليس لبنى . . . سوى الذي أنت قد علمتا
إن كنت في حبه بصيرا . . . تشهده منك أنت أنتا
فما أحب المحب غيرا . . . سواه فالكل أنت أنتا فما أعجب القرآن في مناسبة الأسماء بالأحوال فهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد فهو المحب وهو فعال لما يريد فهو المحبوب لأن المحبوب فعال لما يريد بمحبوبه والمحب سامع مطيع مهيئ لما يريد به محبوبه لأنه المحب الودود أي الثابت على لوازم المحبة وشروطها والعين واحدة فإن الودود هنا هو الفعال لما يريد فانظر في هذا التنبيه الإلهي ما أعجبه وقل رب زدني علما والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
المجد حضرة المجد
يدعى صاحبها عبد المجيد والقرآن المجيد وهو كلامه تعالى فهو عينه
حضرة المجد والشرف . . . حضرة الزهو والصلف
فذووا مجدنا فمن . . . بحرها الكل يغترف
فإذا ما تمجدت . . . عينه قام ينصرف
لقصور له بها . . . خادم العز قد وقف
فتجلى بحلية . . . وهبته حكم النصف
وهبته نصيفها . . . وبه قام فالتحف
نحن للجوهر المك . . . ون في عيننا صدف
إذا قال المصلي مالك يوم الدين يقول الحق مجدني عبدي أي جعل لي الشرف ليه كما هو الأمر في نفسه فانظر إلى هذا الاعتراف وهو الحق الذي له بالمجد بالأصالة والكلام كلامه بلا خلاف فإنه القرآن وقال عن نفسه أنه يقول عند ملك يوم الدين مجدني عبدي وهو تنبيه إلهي من الله على أن الأمر إضافي فإنه إذا لم يكن هناك من يشرف عليه كونا ثابتا أو عينا فعلى من بشرف ويتمجد فما أعطاه المجد إلا وجود العبد فما قال الحق في قوله مجدني عبدي إلا حقا
Page 261