1520

Al-Futūḥāt al-makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الحفيظ قال تعالى ولايؤده حفظهما وقال تعالى إنني معكما أسمع وأرى يخاطب موسى وهارون عليهما السلام وقال في سفينة نوح عليه السلام تجري بأعيننا يشير إلى أنه يحفظها لأن المحفوظ لا يخفي عنه ومن الناس من يحفظه الحفظ لأنه يريد أن يخلو بهواه والحفظ الإلهي يمنع من ذلك ويحول بينه وبين هواه ألم يعلم أن الله يرى فمن عصى الله واتبع هواه فما عصى إلا مجاهرة ولكن بعد عمي القلب حتى لا يجتمع النظرتان إذ لو اجتمعتا لاحترق الكون فإن بصر الحق إذا اجتمع به بصر العبد احترق العبد من فوره ومعلوم أن الله يدركه ببصره الآن في حق العبد فإن الحق ليس في لآن لكن ما اجتمع بصر العبد معه فيعلم بالمقدمتين ما ينتج بينهما فإن باجتماع البصرين وقع الحرق فمن حفظ العالم لا بكون البصرين ما اجتمعا على رؤية الكون ولذلك وصف نفسه إذا تجلى أن يكون رداء الكبرياء على وجهه فلا يرتفع أبدا فإذا رأينا الحق متى رأيناه بأنصارنا نراه من حيث لا يرانا كما يرانا من حيث لا نراه فإنه يرانا عبيدا ونراه لها ونراه به ويرانا بنا ومهما رآنا به فلا نراه به بل وهي الرؤية العامة ورؤية الخواص أن يروه به ويراه بهم فهو الذي يحفظ عليهم وجودهم ليفيدهم ويستفيد من يستفيد منه حتى نعلم إلى من هو دونه فهو الحفيظ المحفظ ولما سرى الحفظ في العالم فقال إن عليكم لحافظين وقال والحافظين فروجهم والحافظات وعم فقال والحافظون لحدود الله فحدودهم كان كل عين في العالم من حيث ما هي حافظة أمر إما عين الحق ولهذا وصف نفسه بالأعين فقال تجري بأعيننا فإن مدبر السفينة يحفظها والمقدم يحفظها وصاحب الرجل يحفظها وكل من له تدبير في السفينة يحفظها بل يحفظ ما يخصه من التدبير فقل تعالى فيها إنها تجري بأعين الحق وما ثم إلا هؤلاء وهم الذين وكلهم الله بحفظها فالحق مجموع الخلق في الحفظ في كل ما يطلب الجمع ولهذا المقام في صنعة العربية بدل الاشتمال تقول أعجبني الجارية حسنها للاشتمال الذي هنا وأعجبني زيد علمه فالعلم بدل من زيد والحسن بدل من الجارية ولكن بدل الاشتمال كما يكون في موضع آخر بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كقولهم رأيت أخاك زيدا فزيد أخوك وأخوك زيد فهكذا قوله كنت سمعه وبصره وقوله ما رميت إذ رميت لكن الله رمى إذ رميت فهذا بدل الشيء من الشيء وإن كان في هذا البدل رائحة من بدل البعض من الكل فقال أكلت الرغيف ثلثيه وليس في أنواع البدل بدل أحق بالحضرة الإلهية من بدل الغلط وهو الذي فيه الناس كلهم يظنون أنهم هم وما هم ويظنون أن ما هم هم وهم هم ولهذا لا يوجد بدل الغلظ في كلام فصيح مثاله رأيت رجلا أسدا أردت أن تقول أسدا فغلطت فقلت رأيت رجلا ثم تذكرت أنك غلطت فقلت أسدا فأبدلت الأسد منه فالعارف يلزمه الأدب أن يضيف إلى الله كل محمود عرفا وشرعا ولا يضيف إليه ما هو مذموم عرفا وشرعا إلا أن جمع مثل قوله قل كل من عند الله وكل يقتضي العموم والإحاطة وقوله فألهما فجورها وتقو بها فالكشف والدليل يضيف إليه كل محمود ومذموم فإن الذم لا يتعلق إلا بالفعل ولا فعل إلا الله لا لغيره فالعارف في بدل الغلط فإن عقله يخالف قوله فقوله في المذموم ما هو له ويقول في عقده وقلبه هو له عند قوله بلسانه ما هو له ومن لا يعلم أنه غلط يصمم على ما قاله أو على ما اعتقده فالله حفيظ وهو بدل من الحفظة والحافظين وأعيننا فالحفظ يطلب الرؤية ولا بد والرؤية لا تطلب الحفظ ولا بد ولكن قد تجيء للحفظ

لكل حفيظ في الوجود حفيظ . . . وفي كل باب رحمة وكظيظ فكن عبد لين في دعائك عبده . . . إلى الله لافظ عليه غليظ

فكم بين محفوظ عليه وجوده . . . وبين حفيظ ما عليه حفيظ

فكما أن ربك على كل شيء حفيظ فهو بكل شيء محفوظ لأنه بالأشياء معلوم غالأشياء تحفظ العلم به عند العلماء به والعلم صفته والعلم المعلوم والمعلوم أعطاه العلم بنفسه فالمعلوم يحفظ عليه العلم ويزيل عنه العلم فهو يتقلب لتقلبه فحفظ الله علمه من حيث ما هو معلوم له

فحفظ الحق موسوم . . . وحفظ الخلق معلوم

وما أربي على هذا . . . فمدخول وموهوم

لأن المعلومات تحفظ على العالم بها علمه بها ولا عالم إلا الله على الحقيقة والحق يحفظ على العالم نسبة الوجود إليه فهو يحفظ عليه وجوده وإنما قلنا المعلومات لأن الحق معلوم لنفسه والخلق معلومون لله والحق ليس بمعلوم للخلق فقد علمنا ما يحفظ الحق وما يحفظ الخلق فإن زدت وقلت أن العالم يحفظ المعلوم فمدخول هذا القول وهو وهم من قائله لأن التابع بأمر المتبوع والعلم يتبع المعلوم فتفطن لهذا الأمر فإنه حسن يجعلك تنزل الأشياء منازلها وتحفظ عليها حدودها فتكون حفيظا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وإنما ألحقنا الحفيظة لما وصف الحق بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله فلما كان لها حكم في الوجود الحق وسعي الانتقام والعفو في إزالتها خفنا أن يعتقد إزالة عينها وما زالت إلا إضافتها فجعل محلها جهنم فهي غضب الله الدائم فهي تنتقم دائما في زعمها ولا تشعر بما يجد الساكن فيها وكذلك حياتها وعقاربها في لدغها ونهشها تلدغ انتقاما وتنهش غصبا لله وما عندها علم بما يجده الملدوغ إذا عمته الرحمة من الالتذاذ بذلك اللدغ فإنه بمنزلة الجرب وهو يجد اللذة بذلك إلا دماء وكلما قوي الحق عليه تضاعفت اللذة حتى أنه يبادر إلى حك نفسه بيده لما يجد في ذلك من الالتذاذ به مع سيلان دمه في ذلك الحك فجنهم دار الغضب الإلهي وحاملته والمتصفة به وكذلك من فيها من وزعة الغضب والمغضوب عليه بما يجده ولا بما في نفوس هؤلاء ولكن لا يحصل لهم هذا إلا بعد استيفاء الحدود والإحساس بالآلام عند نضج الجلود فتبدل لذوق العذاب كما تبدلت الأحوال عليهم في الدنيا بأنواع المخالفات فلكل نوع عذاب ولهم جلد خاص يحس بالألم كما كان هنا دائما في تجديد خلق والناس في هذا التجديد عقب النضج تبديلا بجلد آخر ليذوق العذاب كما ذاق اللذة بالمخالفة وإن تصرف بين المخالفتين بمكارم خلق استراح بين النضج والتبديل بقدر ذلك فهم على طبقات في العذاب في جهنم ومن أوصل المخالفات ومذام الأخلاق بعضها ببعض فهم الذين لا يفتر عنهم العذاب فلما انتهى بهم العمر إلى الأجل المسمى انتهت المخالفة فتنتهي العقوبة فيهم إلى ذلك الحد وتكتنفهم الرحمو التي وسعت كل شيء ولا تشعر بذلك جهنم ولا وزعتها أعني ما فيها من الحيوانات المضرة لا ملائكة العذاب فتبقى أحوال جهنم على ما هي عليه والرحمة قد أوجدت لهم نعيما لهم في تلك الصورة بحكمها فإن الرحمة هي السلطانة الماضية الحكم على الدوام فافهم ما أومأنا إليه فإنه من لباب الحفظ الإلهي حفظ المراتب وربك على كل شيء حفيظ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

حضرة المقيت

إن الذي قدر الأقوات أجمعها . . . هو المقيت الذي لعبده شرعه

وهو الذي قدر الأوقات جملتها . . . رزقا وخلقا ومصنوعا كما صنعه

Page 248