Al-Futūḥāt al-makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فادعوه أمرا لا تكن ممن يرى . . . إن الدعاء هو الحجاب الأبعد اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الله تعالى ما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بقربه من السائلين من عباده بالإجابة فيما يسألونه فيه إلا وقدسا وإنا في العلم بالله من هذا الوجه ولو كان هذا القرب الإلهي في الإجابة قربه في المسافة التي ذكر عنها أنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد لاكتفى وذلك لأنه لا يلزم من هذا القرب السماع كما لا يلزم من السماع في السؤال الإجابة فحصل من الفائدة بهذا التعريف ثلاثة أمور القرب والسماع والإجابة فلم يترك لعبده حجة عليه بل الله الحجة البالغة فإذا أقيم العبد في هذا الذكر فأول ما ينتج له الزهد فيما سوى الله فلا يتوسل إليه بغيره فإن التوسل إنما هو طلب القرب منه فقد أخبرنا الله تعالى أنه قريب فلا فائدة لهذا الطلب وخبره صدق ثم أخبر أنه يجيب سؤال السائلين فهو إخبار بأن بيده ملكوت كل شيء وأخبر بالإجابة ليتحفظ السائل ويراقب ما يسأل فيه لأنه لا بد من الإجابة فقد يسأل العبد فيما لا خير له فيه لجهلة بالمصالح فهو تنبيه من الله وتحذير أن لا يسأل إلا فيما يعلم أن له فيه الخير الوافر عند الله في الدنيا والآخرة فمن أخذ هذا الذكر على جهة التبيه فلم يسأل الله تعالى في حاجة من حوائج الدنيا على التعيين ولكن يسأل فيما له فيه خير مما يعلمه الله مبهما لا يعين فإذا عين ولا بد فليسأل فيه الخيرة وسلامة الدين وأما تعيينه في السؤال فيما يرجع إلى أمر الدين فليعين ما شاء ولا مكر فيه ولا غائلة وكذلك ما يسأل فيه مما يتعلق بالآخرة ولكن هنا شرط أبينه في هذا الذكر من أجل ما نرى في الوقائع من عدم الإجابة لأكثر الناس فيما يسألون فيه ربهم فاعلم أن الله أخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه وما دعاؤه إياه إلا عين قوله حين يناديه باسم من أسمائه فيقول يا ألله أو يا رب أو رب يا ذا المجد والكرم وما أشبه ذلك فالدعاء نداء وهو تائه بالله فأجابه هذا القدر الذي هو الدعوة بها سمي داعيا أن يلبيه الحق فيقول لبيك فهذا لا بد منه من الله في حق كل سائل ثم ما يأتي بعد هذا النداء فهو خارج عن الدعاء وقد وقعت الإجابة كما قال فيوصل بعد النداء من الحوائج ما قام في خاطره مما شاءه فلم يضمن في هذا الذكر إجابته فما سأل فيه ودعاه من أجله فهو أن شاء قضى حاجته وإن شاء لم يفعل ولهذا ما كل مسؤول فيه يقضيه الله لعبده وذلك رحمة به فإنه قد يسأل فيما لا خير له فيه فلو ضمن الإجابة في ذلك لوقع ويكون فيه هلاكه في دينه وآخرته وربما في دنياه من حيث لا يشعر فمن كرمه أنه ما ضمن الإجابة فيما يسأل فيه وإنما ضمن الإجابة في الدعاء خاصة كما بيناه وهذا غاية الكرم من السيد في حق عبده حيث أبقى عليهم ثم أن هذا الذكر إذا أنتج له سماع الإجابة الإلهية فإنه لا بد لصاحب هذا الذكر أن يسمع الإجابة ولكن ذوقهم في السماع مختلفة فقد يكون إسماع واحد غير إسماع الآخر ولكن لا بد من علامة يعطيها الله لهذا الذاكر يعلم بها أنه قد أجاب دعاءه ومعلوم أنه أجاب دعاءه وإنما أريد أنه يعلمه أن الذي سأل فيه قد قضى وإن تأخر أعطى بدله على طريق العوض لما له في البدل من الخير وقد يكشف له عن خواص الأحوال والأزمنة والأمكنة التي توجب قضاء حاجة الداعي فيما سأل فيه وإن لم يكن له فيه خير يعود باله عليه فيكون ممن جنى على نفسه فإذا كشف الله به مثل هذا يتحرز في الدعاء وفيما يدعوه فيه وكذلك يكشف له بخاصية ما يدعو به من الأسماء والكلمات ألا ترى ابن باعورا وكان قد أتاه الله العلم بخاصية آية من آياته فدعا بها على موسى عليه السلام وقومه فأجابه الله فيما دعا فيه وشقي هو في نفسه وسلب الله عنه علم ذلك وهو قوله تعالى وأتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منه الآيات وجعله مثله كمثل الكلب فيكشف الله لصاحب هذا الذكر علم هذا عناية منه به فإن في ذلك مكرا إلهيا من حيث لا يشعر ولا سيما والنفس مجبولة على حب الشفوف على أبناء الجنس وإظهار قدرها عند الله ولهذا أكابر الأولياء أخفياء أبرياء لا ترى عليهم من أثر المكانة والتقريب ما تحتد من أجله أبصار الخلق إليهم بل لا فرق بينهم وبين العامة والذين ملكتهم الأحوال لهم خرق العوائد والظهور ولكن لا يفي ذلك بما فيه من المكر والاستدراج فإنه في غير موطنه ظهر ممن لا يجب عليه الظهور به وهو الولي وأصعب ما في الأمر أن يذوق في ذلك طعم نفسه فإن صاحبه لا يفلح أبدا ولو صرف الكون والعالم على حكمه فإذا سألتم الله فاسألوه التوفيق والعافية والعناية في تحصيل السعادة وقل رب زدني علما فأن العلم يأبى إلا السعادة فأن الله ما أمر نبيه بطلب الزيادة منه إلا وقد علم أن عين حصول العلم المطلوب هو عين السعادة ما فيه مكر ولا استدراج أصلا وما هو إلا بالعلم بالله خاصة لا العلم بالحساب والهندسة والنجوم ولو علم ذلك لكان علم دلالة على علم بالله فلم يعطه الله ذلك للوقوف عنده فهذا ذكر عظيم الفائدة والله يقول الحق وهو يهدي السبيلذوق في ذلك طعم نفسه فإن صاحبه لا يفلح أبدا ولو صرف الكون والعالم على حكمه فإذا سألتم الله فاسألوه التوفيق والعافية والعناية في تحصيل السعادة وقل رب زدني علما فأن العلم يأبى إلا السعادة فأن الله ما أمر نبيه بطلب الزيادة منه إلا وقد علم أن عين حصول العلم المطلوب هو عين السعادة ما فيه مكر ولا استدراج أصلا وما هو إلا بالعلم بالله خاصة لا العلم بالحساب والهندسة والنجوم ولو علم ذلك لكان علم دلالة على علم بالله فلم يعطه الله ذلك للوقوف عنده فهذا ذكر عظيم الفائدة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الرابع والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وإنك لعلى
خلق عظيم
إذا هيئت للخلق العظيم . . . فذاك بشارة الرب الكريم
أتاك بها رسول الحال يسعى . . . بآيات العناية للعليم
فقمت بها مقام الحق فيها . . . كما قام الحديث من القديم
فحق لك الثناء بكل وجه . . . وكنت الوجه بالخلق العظيم
فأنت الوارث الفرد الذي لم . . . يزل ندعوه بالبر الرحيم
لك العلم الذي ما فيه ريب . . . أتتك به مؤاخاة الكليم
فتدعى بالخليل وبالنديم . . . وتدعى بالحميم وبالقسيم
Page 180