1454

Al-Futūḥāt al-makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

وهذه خمسة في العد حافظة . . . وليس يحفظ أكواني سوى الخمس قال الله سبحانه وتعالى حافظوا على الصلوات وليست سوى هذه الخمس الموقتة المعينة المكتوبة وكما أن الخمسة تحفظ نفسها وغيرها الذي هو العشرون وهو ثاني عقد العشر من العشرة والعشرة أول العقود وأقل ما يكون العقد بين اثنين فكذلك الصلاة قسمها الحق نصفين نصفا له ونصفا لعبده وجعلها بين تحريم وتحليل فإذا شرع فيها العبد لم يصرف ذاته إلى غيرها من الأعمال بخلاف غيرها من الأعمال المشروعة فحفظت نفسها حتى تسمى صلاة فإن الصلاة شغلا وحفظت غيرها وهو المصلى ليبقى عليه اسم المصلى وحكمه فلهذا شرعها الله خمسة فعين الوقت فإن قال قائل بالوتر أنه زائد عل الخمسة فتكون ستا قلنا فما زاد إلا من يحفظ نفسها وهي الستة وهي أول عدد كامل فما زاد إلا بما يناسب في الحفظ فلذا قال السائل هل على غيرها يعني الخمس قال لا إلا أن تطوع وجمع له في الصلاة بين الجهر والسر أعني في القراءة وجمع له أيضا بين القول والفعل وحال والهيآت في الحركات من قيام وركوع وسجود وجلوس أثنى على من أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئا بالدوام عليها والخشوع فيها وأعطاها الليل والنهار حتى يعم الزمان بركتها وقد بينا من أسرارها ما شاء الله في باب الصلاة من هذا الكتاب وكذلك بينا أيضا من شأنها في كتاب التنزلات الموصلية لنا ثم أن الله شرع طهارة لها مائية وترابية فإن النشأ الإنساني لم يكن إلا من تراب كآدم وماء كبني آدم فقال خلقكم من تراب ومن ماء ومن طين وهو خلط الماء بالتراب فجعل الطهارة للصلاة بما منه خلقنا فطهارتنا منا من ماء وهو الوضوء وتراب وهو التيمم فنحن نور على نور بحمد الله وما كتب الله هذه الصلاة إلا على المؤمنين وليس المؤمن سوى المصدق بأحدية الكثرة الإلهية لما هي عليه من الأسماء الحسنى والأحكام المختلفة من حيث أن كل أسم إلهي يدل على الذات وعلى معنى ما هو المعنى الآخر الذي يدل عليه الاسم الآخر فله أحدية العين فهو مؤمن أيضا بأحدية العين كما هو مؤمن بأحدية الكثرة فمن لم يكن له هذا الإيمان وإلا فليس هو المؤمن الذي كتب الله عليه هذه الصلاة وإنما كتبها على المؤمن دون العالم لعموم الإيمان فإن المؤمن هو عين المقلد لأنه المصدق لخبر لما تعطيه حقيقة الخبر من الاحتمال فأبقى الخبر على أصله فالعالم من علمه بالأمور على ما هي عليه أن لا يزيل الخبر عن احتماله بالنظر إلى ذات الخبر فهو عالم بصدق هذا الخبر المعين لأن الخبر وإن اقتضت ذاته الاحتمال فإنه لا بد أن يكون في نفسه موصوفا بأحد الاحتمالين أما صدق و إما كذب ولا يعرف ما هو عليه من هذين الوصفين إلا بدليل فهذا هو حظ العالم فقد صدق به العالم أنه صدق لا كذب أعني هذا الخبر المعين وقلده في هذا التصديق المؤمن فالمؤمن العالم قام له دليل العلم على أن المخبر صادق وإن هذا الخبر المعين صدق فهو مؤمن بلا شك وأعطى العالم نفسه الأمان أن ينقلب العلم جهلا وصدق المقلد العالم فيما أخبره به من صدق هذا الخبر فاشترك الكل في نعت الإيمان فلو كتبها الله على العلماء دون المؤمنين لما وجبت على المقلدين والعلماء لهم صفة الإيمان فكتب على الوصف العام ولولا الحق تعالى ما نزل إلى عباده ما وصفهم تعالى بالعلم به ولا بالإيمان فهم أحق بالعلم به من علمه به فإن علم الخلق به علم اضطرار وافتقار ذاتي لما تعطيه ذات الممكن من الاستناد إلى المرجح فبنزوله إلينا عرفناه فهو يظهر بنا ولا يتمكن لنا أن نظهر به فيجمع سبحانه بين نعت السادات والعباد ولا يتمكن للعباد أن يكونوا أربابا في أنفسهم وإن ظهروا بنعوت سيدهم وإنما كلامنا في نفس الأمر لا فيما يجدونه في أوقات فما هو له تعالى فمعلوم من القسمة وما هو للعبد فمعلوم وما وقع فيه الاشتراك فما هو لله فهو لله في عين الاشتراك وما هو للعبد فهو للعبد في عين الاشتراك فهو في نفس الأمر معين وإن وقع الاشتراك فليس إلا في الألفاظ الدالة على الاشتراك وأما في نفس الأمر فلا اشتراك بوجه من الوجوه فإن كل واحد على نصيبه المعين له وإن لم يكن الأمر كذلك اختلطت الحقائق وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وقليل أيضا ما هم فكل مصل أدى صلاته لوقتها ولم يطلع ولا أنتج له معرفة بسر القدر الذي قد أومأنا إليه في هذا الكتاب في مواضع كثيرة مختلفة بطرائق عجيبة فما صلى الصلاة لوقتها وذلك لأن الله ما شرع هذه العبادات لإقامة نشأة صورتها الظاهرة بل لما تدل عليه وتعطيه من جانب الحق من المعرفة به وإن لم تكن الصورة قد نفخ القائل فيها روحا تحي به ولا ينفخ فيها روحا إلا بإذن ربه كما قال وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فقد شارك كل مصور وما تعلق به ذم كما تعلق بالمصورين فإنه ما صور عليه السلام إلا بإذن الله ثم قال فتنفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله فزال من هيئة الطائر وعاد طائرا فكذلك عمل العبد إذا عمله بالإيمان من حيث إن الحق أمره بذلك العمل فقد أذن له في إنشاء تلك الصورة فقد شارك المنافق كما شارك المصورين من خلق من الطين كهيئة الطير فإن المنافق ما أذن الله له أن ينشئ صورة العمل على ذلك الحد وما أمر الله بإنشاء صور الأعمال إلا للمؤمنين فلما وقع الاشتراك في ظاهر الصورة بين المؤمن والمنافق نفخ المؤمن بإيمانه فيها روحا فعادت حياة لا تشاهد سوى منشئها وهو هذا المؤمن فيجدها يوم القيامة حياة تشفع له وتأخذ بيده والمنافق يجدها ميتة فيقال له أحيها فلا يستطيع وهي حية في نفس الأمر ولكن بإحياء الحق وقد أخذ الله ببصر هذا المنافق عن إدراك حياتها كما أخذ الله بأبصارنا عن إدراك حياة المسمى جمادا ونباتا مع علمنا أنه حي في نفس الأمر إيمانا فإنه مسبح بحمد الله ولا يسبح إلا حي ناطق والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الباب الثالث والثلاثون وخمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وإذا سألك

عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان

إن الدعاء حجاب من لا يشهد . . . هذا هو الحق الذي لا يجحد

وهو القريب بعلمه وبعينه . . . وهو الذي في كل حال يشهد

لكنه لما دعاك دعوته . . . من قبل ذا أعطاك هذا المشهد

فإذا علمت بأنه عين الذي . . . يدعو فمن تدعوه أو من تقصد

Page 179