1407

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

ولذا قال لمن يشهد كن . . . فاتخذه يا ولي سندا اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أنه من صادف العلم في ظنه أنه موصوف بالعلم عند نفسه أن كان نعته العلم في نفس الأمر ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي وقع له أنها الفاتحة يعني في نفس الأمر ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم ليهنك العلم فيما ذكر في واقعته حصل له العلم في نفسه كما هو في نفس الأمر لا بد من ذلك فاعلم أن الغيب على قسمين غيب لا يعلم أبدا وليس إلا هوية الحق ونسبته إلينا وأما نسبتنا إليه فدون ذلك فهذا غيب لا يمكن ولا يعلم أبدا والقسم الآخر للغيب غيب إضافي فما هو مشهود لا حد قد يكون غيبا لآخر فما في الوجود غيب أصلا لا يشهده أحد وأدقه أن يشهده الموجود نفسه الذي هو غيب عن كل أحد سوى نفسه فما ثم غيب إلا وهو مشهود في حال غيبته عمن ليس بمشاهد له فإذا ارتضى الله من ارتضاه العلم ذلك أطلعه عليه علما لا ظنا ولا تخمينا فلا يعلم إلا بإعلام الله أو بإعلام من أعلمه الله عند من يعتقد فيه أن الله أعلمه وما عدا هذا فلا علم له بغيب أصلا وإنما اختص بهذا الإعلام مسمى الرسول لأنه ما أعلمه بذلك الغيب اقتصارا عليه وإنما أعلمه ليعلمه فتحصل له درجة الفضيلة على من أعلمه به لتعلم مكانته عند ربه فلهذا اسماه رسولا وهذا النوع من الغيب لا يكون إلا من الوجه الخاص لا يعلمه ملك ولا غيره إلا الرسول خاصة سواء كان الرسول ملكا أو غيره فإن الله نفى أن يظهر على غيبه أحد وإنما قال بأن الذي ارتضاه لذلك يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا عصمة له من الشبه القادحة فيه فهو علم لا دخول للشبه فيه على صاحبه وهذا هو صاحب البصيرة الذي هو على بينة من ربه في علمه وله ذوق خاص يتميز به لا يشاركه فيه غيره إذ لو شاركه لما كان خاصا فإذا جاء الرسول به لمن يعلمه فذلك ليس عند هذا المتعلم من علم الغيب فإن الرسول قد أظهره الله عليه فما هو عند هذا من علم الغيب الذي لا يظهر الله عليه أحد وإنما هو ما يحصل لأي عالم كان من الوجه الخاص ولكنه الآن ليس بواقع في الدنيا لكنه يقع في الآخرة وسبب ذلك أن كل علم يحصل للإنسان في الدنيا من العلم بالله خاصة فإن محمد صلى الله عليه وسلم قد علمه فإنه علم علم الأولين والآخرين وأنت من الآخرين بلا شك وأما في غير العلم بالله فقد يعطاه الإنسان من الوجه الخاص فلا يعلم إلا منه فهو رسول في تعليمه إلى من يعلمه بذلك هذا أعطاه مقام محمد صلى الله عليه وسلم وليست الفائدة إلا في العلم بالله تعالى فإنه العلم الذي به تحسن صورة العالم في نفسه فالعلم بالله من الرسول في المتعلم أعظم وأنفع من العلم الذي يحصل لك من الوجه الخاص إذا كان المعلوم كونا ما من الأكوان ليس الله فما الشرف للإنسان إلا في علمه بالله وأما علمه بسوى الله تعالى فعلالة يتعلل بها الإنسان المحجوب فإن المنصف ما له همة إلا العلم به تعالى فاجهد أن تكون ممن يأخذ العلم بالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكون محمدي الشهود إذ قد قطعنا أنه لا علم بالله اليوم عينا يختص به أحد من خلق الله وقد أشارت عائشة رضي الله عنها إلى ذلك في تأويلها في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فإن الله يقول لا تدركه الأبصار وهنا سر فابحث عليه ولا تقل قد حجرت واسعا فأني ما حجرت عليك أن لا تعلم وإنما حجرت عليك إنك لا تعلم مثل هذا من الحق إلا في صورة محمدية وقد بينا أن أعظم الرؤية رؤية محمدية في صورة محمدية وإليه ذهب الإمام أبو القاسم بن قسي رحمه الله في كتاب خلع النعلين له وهو روايتنا عن ابنه عنه بتونس سنة تسعين وخمسمائة وما رأيت هذا النفس لغيره فنعينه فإنه وصل إلينا فيمكن أن يكون كما علمته أنا من الله تعالى إلقاء إلهيا من غير واسطة أعني ما علمه ابن قسي في ذلك يمكن أيضا أن يكون غير ابن قسي قبله أو بعده أو في زمانه قد أطلعه على ذلك وما وصل إلينا ما وصل إلينا والله أعلم فلا شرف يعلو شرف العلم ولا حالة تسمو على حالة الفهم عن الله

الباب الثالث والتسعون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله قل كل من

عند الله فما لهؤلاء لقوم لا يكادون يفقهون حديثا لأنهم لم يجدوه إذ كان عندهم

كل ما في الكون من خالقه . . . فلهذا ليس في الكون حدوث ما تراه قد نفى العلم به . . . حين لا يفقه في الكون حديث

إنهم لم يجدوه حادثا . . . فلهذا السير في ذاك حثيث

مانفى بالعلم فيه أحد . . . غير معتوه جهول أو خبيث

إنما يعلم منه كونه . . . واحد العين وإن طال النثيث

كرم الله رسولا بالذي . . . بثه فينا من الذكر الحديث

قال الله تعالى ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين وقال ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم فجاء الذكر من الرب والرحمن فأخبر أنهم استمعوا وأصغوا لذكر الرب في حال لهو وذكر إعراضهم عن ذكر الرحمن مع العلم منهم بأنه القرآن وهو كلام الله والكلام صفته فله القدم وإن حدث الإتيان اعلم أن الحديث قد يكون حديثا في نفس الأمر وقد يكون حديثا بالنسبة إلى وجود عندك في الحال وهو أقدم من ذلك الحدوث وذلك إذا أردت بالقدم نفي الأولية فليس إلا كلام الله وليس إلا عين القابل صور التجلي وإذا أردت به غير نفي الأولية فقد يكون حادثا في نفسه ذلك الشيء قبل حدوثه عندك وقد يكون حادثا بحدوثه عندك أي ذلك زمان حدوثه وهو ما يقوم بك أو بمن يخاطبك أو يجالسك من الأغراض في الحال وأما عندية الله فهي على قسمين أعني ما هو عنده القسم الواحد ما هو عليه من الأمر الذي يعقل زائدا على هويته وإن لم نقل فيه أنه غيره ولا عينه أيضا كالصفات المنسوبة إليه لا هي هو ولا هي غيره وقد يكون عنده ما يحدثه فينا ولنا وهو مثل قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وهذا الذي عندنا على نوعين نوع يحدث صورته لا جوهره كالمطر فإنا نعلم ما هو من حيث جوهره وما هو من حيث صورته وكل العالم على هذا أو هو النوع الآخر ما يحدث جوهره وليس إلا جوهر الصورة ووجود جوهر العين القائمة به تلك الصورة فإنه لا وجود لعين جوهرها الذي قامت به إلا عند قيامها به فهو قبل ذلك معقول لا موجود العين فموضع الصورة أو محل الصورة من المادة يحدث له الوجود بحدوث الصورة في حال مالا في كل حال وينعدم من الوجود بعدمها ما لم تكن صورة أخرى تقوم به والكل عند الله فإن الله عين شيئيته فما ثم معقول ولا موجود يحدث عنده بل الكل مشهود العين له بين ثبوت ووجود فالثبوت خزائنه والوجود ما يحدثه عندنا من تلك الخزائن فصورة الماء في الجليد معقولة ينطلق عليها اسم جليد و الماء في الجليد بالقوة فإذا طرأ على الجليد ما يحلله فإنه يصير ماء فظهرت وحدثت صورة الماء فيه ومنه وزال عنه اسم الجليد وصورته وحده وحقيقته وكان عندنا قبل تحلله إنه خزانة خزائن الغيث فظهر أنه عين المخزون فكان خزانه بصورة و مخزونا بصورة غيرها وهكذا حكم ما يستحيل هو عين ما استحال وعين ما يستحيل إليه وإنما جئنا بهذا المثال المحقق لما نعانيه من صور التجلي في الوجود الحق لنلحق بذلك صور العالم كله في وجود الحق فنطلق عليه خلقا كما يطلق على الماء الذي تحلل من الجليد ماء ويطلق عليه ذلك إطلاقا حقيقيا لأنه ليس غير ما تحلل مما كان اسم الجليد له فهو حق بوجه خلق بوجه هذا ينتجه وأمثاله هذا الذكر من العلم الإلهي ومن هنا تعلم جميع المحدثات ما هي ومتى ينطلق عليها اسم الحدوث ومتى تقبل اسم القدم وهو علم نفيس يخص الله به من شاء من عباده وذلك هو الفضل المبين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

Page 132