Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
لذاك قال لمن وفي طريقته . . . من خلقه ما له عليه من سلطان قال الله تعالى الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات وإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح فالعمل الصالح له الحياة الطيبة وهي تعجيل البشرى في الحياة الدنيا كما قال تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا فيحي في باقي عمره حياة طيبة لما حصل له من العلم بما سبق له من سعادته في علم الله مما يؤول إليه في أبده فتهون عليه هذه البشرى ما يلقاه من المشقات والعوارض المؤلمة فإن وعد الله حق وكلامه صدق وقد خوطب بالقول الذي لا يبدل لديه وكذلك أيضا للعمل الصالح التبديل فيبدل الله سيآته حسنات حتى يود لو أنه أتى جميع الكبائر الواقعة في العالم من العالم كله على شهود منه عين التبديل في ذلك ولقد لقيت من هو بهذه الحال بمكة من أهل توزر من أرض الحرير ولقيت أيضا بإشبيلية آبا العباس العريبي شيخنا من أهل العلياء بغرب الأندلس ما لقيت في عمري إلا هذين من أهل هذا الذوق وكذلك للعمل الصالح شكر الحق لأنه الغفور الشكور فسعيه مقبول وكلامه مسموع ولو لم يكن في العمل الصالح إلا إلحاق عامله بالصالحين وإطلاق هذا الاسم عليه لكان كافيا فإنه مطلب الأنبياء عليهم السلام وهم أرفع الطوائف من عباد الله والصلاح أرفع صفة لهم فإن الله أخبرنا عنهم إنهم مع كونهم رسلا وأنبياء سألوا الله أن يدخلهم الله برحمته في عباده الصالحين وذكر في أولي العزم من رسله أنهم من الصالحين في معرض الثناء عليهم فالصلاح يكون أخص وصف للرسل والأنبياء عليهم السلام وهم بلا خلاف أرفع الناس منزلة وأن فضل بعضهم بعضا ومن نال الصلاح من عباد الله فقد نال ما دونه فله منازل الرسل والأنبياء عليهم السلام وليس برسول ولا نبي لكن يغبطه الرسول والنبي لما يناله الرسول والنبي من مشقة الرسالة والنبوة لأنها تكليف وبها حصلت لهم المنزلة الزلفى ونالها صاحب العمل الصالح المغبوط من غير ذوق هذه المشقات ومن هنا تعرف ما سمى الرسول والنبي وتعرف معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم في قوم تنصب لهم منابر يوم القيامة في الموقف يخاف الناس ولا يخافون يحزن الناس ولا يحزنون لا يحزنهم الفزع الأكبر ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون حيث رأوا تحصليهم هذه المنازل مع هذه الحال فهم غير مسؤولين من بين الخلائق لم يدخلهم في عملهم خلل من زمان توبتهم فإن دخلهم خلل فليسوا بصالحين فمن شرط الصلاح استصحاب العصمة في الحال والقول والعمل ولا يكون هذا إلا لأهل الشهود الدائم والعارفين بالمواطن والمقامات والآداب والحكم فيحكمون نفوسهم فيمشون بها مشي ربهم من حيث هو على صراط مستقيم فمن حياتهم الطيبة في الدنيا أنهم وإن دعوا الخلق إلى الله فإنهم يدعونهم بلسان غيرهم ويشهدون من سمع دعوتهم من المدعون ومن ترد الدعوى منهم فلا يألمون لذلك الرد بل يتنعمون بالقبول نعيمهم بالرد لا يختلف عليهم الحال وسبب ذلك أن مشهودهم من الحق الأسماء الإلهية وشهودهم إياها نعيم لهم فمن دعا ما دعا إلا باسم الهي فالاسم هو الداعي ومن رد أو قبل فما رد وما قبل إلا باسم الهي فالاسم هو القابل والراد وهذا الشخص في حياة طيبة بهذا الشهود دائما ومن غيبه الله عن شهود هذا المقام فإنه يألم طبعا ويلذ طبعا وهو أكبر نعيم أهل الله وألمهم ولا تكون هذه الحياة الطيبة إلا أن تكون مستصحبة وما ينالها إلا الصالحون من عباد الله وإن ظهر منهم ما توجبه الأمور المؤلمة في العادة وظهر عليهم آثار الآلام فالنفوس منهم في الحياة الطيبة لأن النفوس محلها العقل ليس الحس محلها فآلامهم حسية لا نفسية فالذي يراهم يحملهم في ذلك على حاله الذي يجده من نفسه لو قام به ذلك البلاء وهو في نفسه غير ذلك فالصورة صورة بلاء والمعنى معنى عافية وإنعام وما يعقلها إلا العالمون فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم في الدنيا وحسن مآب في الآخرة وهذا التنبيه على تحصيل هذا المقام كاف فإنه مكتسب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الثامن والثمانون وأربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله ولا تمدن
عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى
كل شخص زوجه من نفسه . . . ولهذا زوجه من جنسه
فهو كل وهي جزء فلذا . . . كثرت أزواجه من نفسه وكذا اليوم الذي أوجده . . . إنما أوجده من أمسه
ولذا جاء على صورته . . . في نقيض القدس أو في قدسه
لا تمدن إلى حرمة من . . . كان عينيك فذا من بخسه
وفه ميزانه لاتلتفت . . . للذي تبصره من أنسه
إنما يأنس من لست له . . . بك للجمع الذي في أسه
ولتجرده من الشك وما . . . جاء من شيطانه في مسه
ولتفرق بين ما تسمع من . . . ليس في النطق به أو أيسه
Page 127