1209

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل : ' الوصل السادس عشر ' من خزائن الجود اعلم أن الله تعالى ما خلق شيئا من الكون إلا حيا ناطقا جمادا كان أو نباتا أو حيوانا في العالم الأعلى والأسفل مصداق ذلك قوله تعالى وأن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما فلم يعجل عليكم بالعقوبة غفورا ساتر تسبيحهم عن سمعكم فكل شيء في عالم الطبيعة جسم متغذ حساس فهو حيوان ناطق بين جلي وخفي في كل فصل فصل من فصول هذا الحد فكل ما نقص منه في حد محدود فذلك النقص هو ما خفي منه في حق بعض الناس وما ظهر منه فهو الجلي ولذلك اختلفت الحدود في الجماد والنبات والحيوان والإنسان والكل عند أهل الكشف حيوان ناطق مسبح بحمد الله تعالى ولما كان الأمر هكذا جاز بل وقع وصح أن يخاطب الحق جميع الموجودات ويوحي إليها من سماء وأرض وجبال وشجر وغير ذلك من الموجودات ووصفها بالطاعة لما أمرها به وبالاباية لقبول عرضه وأسجد له كل شيء لأنه تجلى لكل شيء وأوحى إلى كل شيء بما خاطب ذلك الشيء به فقال للسماء والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فأوحى في كل سماء أمرها والأرض كذلك أوحى لها وأوحى ربك إلى النحل وأوحينا إليك يعني محمدا بالخطاب صلى الله عليه وسلم روحا من أمرنا فعم وحيه الجميع ولكن بقي من يطيع ومن لا يطيع وكيف فضل السميع السميع فمن أعجب الأشياء وصف السامع بالصمم والبصير بالعمى والمتكلم بالبكم فما عقل ولا رجع وإن فهم .

فالجحد من صفة النفوس إذا أبت . . . كالنار تحرق بالقبول وإن خبت

لولا وجود الإختبار وجبرها . . . فيه لما أبت النفوس إذا أبت

قال الله تعالى يوم تشهد علهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ولذلك يقولون لجلودهم إذا شهدت عليهم لما شهدتم علينا فتقول الجلود أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فعمت فكانت الجلود أعلم بالأمر ممن جعل النطق فصلا مقوما للإنسان خاصة وعرى غير الإنسان عن مجموع حده في الحيوانية والنطق فمن فاته الشهود فقد فاته العلم الكثير فلا تحكم على ما لم تر وقل الله أعلم بما خلق وأرض الإنسان جسده وقد شهد عليه بما عمل أتراه شهد عليه بما لم يعلم أتراه علم من غير وحي إلهي جاءه من عند الله عز وجل كما نشهد نحن على الأمم بما أوحى الله تعالى به إلينا من قصص أنبيائه مع أممهم .

فيشهد الشخص بما لم يرا . . . إذا أتاه الخبر الصادق

فالكل قد أوحى إليه الذي . . . أوحى به فكله ناطق

فانظر فما في كونه غيره . . . فهو وجود الخلق والخالق

فإذا انحصر الأمر بين خبر صادق وشهود علمنا أن العالم كله مكشوف له .

ما تم ستر ولا حجاب . . . بل كله ظاهر مبين

Page 382