1208

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

فبالنور الكوني والإلهي كان ظهور الموجودات التي لم تزل ظاهرة له في حال عدمها كما هي لنا في حال وجودها فنحن ندركها عقلا في حال عدمها عينا في حال وجودها والحق يدركها عينا في الحالين فلولا إن الممكن في حال عدمه على نور في نفسه ما قبل الوجود ولا تميز عن المحال فبنور إمكانه شاهده الحق وبنور وجوده شاهده الخلق فبين الحق والخلق ما بين الشهودين فالحق نور في نور والخلق نور ي ظلمة في حال عدمه وأما في حال وجوده فهو نور على نور لأنه عين الدليل على ربه وما يحتمل هذا الوصل أكثر من هذا فإن فيه مكر أخفيا لعدم المثل للحق ولا يتمكن أن يشهد ويعلم إلا بضرب مثل ولهذا جعل لنا مثل نوره في السموات والأرض كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة ويتونة لا شرقية ولا غربية يكاد ويتها يضيء ولو لم تمسه نار ثم قال نور على نور يهدي الله لنوره من هذين النورين فيعلم المشبه والمشبه به من يشاء ويضرب الله الأمثال فجعله ضرب مثل للتوصيل ويجوز في ضرب الأمثال المحال الذي لا يمكن وقوعه فكما لا يكون المحال الوجود وجودا بالفرض كذلك لا يكون الخلق حقا بضرب المثل فما هو موجود بالفرض قد لا يصح أن يكون موجودا بالعين ولو كان عين المشبه ضرب المثل لما كان ضرب مثل إلا بوجه فلا يصح أن يكون هنا ما وقع به التشبيه وضرب المثل موجودا إلا بالفرض فعلمنا بضرب هذا المثل أننا على غاية البعد منه تعالى في غاية القرب أيضا ولهذا قبلنا ضرب المثل فجمعنا بين البعد والقرب وتسمى لنا بالقريب والبعيد فكما هو ليس كمثله شيء هو أقرب من حبل الوريد وهو السميع البصير فهو القريب بالمثل البعيد بالصورة لأن فرض الشيء لا يكون كهو ولا عينالشيء وفي هذا الوصل إفاضة الحاج من عرفة إلى جمع ومن جمع إلى منى فإن إفاضة عرفات ليلا وإفاضة جمع نهار الصائم وإن شئت قلت نهارا من غير إضافة والحج يجمع ذلك كله فقبل تفصيل اليوم الزماني الذي هو الليل والنهار كما إن فيه ما يشوش العقول عن نفوذ نورها إلى رؤية المطلوب وهو حجاب لطيف لقربه من المطلوب فإن الشوق أبرح ما يكون إذا أبصر المحب دار محبوبه قال الشاعر

وأبرح ما يكون الشوق يوما . . . إذا دنت الديار من الديار فمن أعجب الأمور أن بالإنسان استتر الحق فلم يشهدو بالإنسان ظهر حتى عرف فجمع الإنسان بين الحجاب والظهور فهو المظهر السائر وهو السيف الكهام الباتر يشهد الحق منه ذلك لأنه على ذلك خلقه ويشهد الإنسان من نفسه ذلك لأنه لا يغيب عن نفسه وأنه مريد للإتصال بما قد علم أنه لا يتصل به فهو كالحق في أمره من أراد منه أن يأمره بما لا يقع منه فهو مريد لا مريد فولا ما هو الحق صدفة أعياننا ما كنا صدفة عين العلم به وفي الصدف يتكون اللؤلؤ فما تكونا إلا في الوجود وليس الوجود إلا هو ولكنه ستر علينا ستر حفظ ثم أظهرنا ثم تعرف إلينا بنا وأحالنا في المعرفة به علينا فإذا علمنا بنا سترنا على علمنا به فلم يخرج الأمر عن صدف ساتر لؤلؤ ولكن تارة تارة .

فذلك التبر ونحن الصدى . . . وما لنا كون بغير الندا

فمن يناديه يكن كأنه . . . وليس ذاك الكون منه ابتدا

لأنه يحدث عن قوله . . . وقوله كن لا يكون سدى

فمنه كنا وبه قد بدا . . . هذا الذي في عينه قد بدا

فهو الندى ليلا كما كنته . . . كما أنا منه نهارا سدى

وإن تشأ عكس الذي قلته . . . فأنه الليل ونحن الندى

Page 381