132

فن السيرة

فن السيرة

Publisher

دار الثقافة

Edition Number

٢

Genres

فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، وبتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول، وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت الباردة على نفسي، وبكرت سحرًا إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا علي أولًا ثم أصغوا لي، ودلوني من السور، فوجدت بطانته عند الباب.. " (١) وموقف ابن خلدون في لقاء تيمورلنك، من أدل المواقف على نفسيته في عهد الشيخوخة، وحرصه على السلامة، وهو يرسم مفارقة واضحة لروحه المغامرة ولصلابته قبل ذلك، في أيام القضاء، وتمسكه التام بما يعتقد أنه العدل والحق، دون أن تأخذه فيه لومة لائم. وقد وصف ذلك أبلغ وصف جاء فيه " فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم، وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخ مشهور، ولا يعرف لهم كتاب في فن، قد اتخذوا الناس هزؤًا، وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض، ومأبنة للحرم، فأرغمهم ذلك مني، وملأهم حسدًا وحقدًا علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، يشترون بها الجاه، ليجيروا به

(١) التعريف بابن خلدون: ٣٦٨.

1 / 134