الحديث، وأسند عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها عن النبي ﷺ أنه قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (١) أي: إكراه، وهو مذهب عمر وابنه وابن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم، وتزوج ثابت بن الأحنف أم ولدٍ لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فأكره بالسياط والتخويف على طلاقها في خلافة ابن الزبير، فقال له ابن عمر: (لم تَطْلُقْ عليك، ارجع إلى أهلك) وكان ابن الزبير بمكة، وكتب له إلى عامله على المدينة -وهو جابر بن الأسود- أن يردَّ إليه زوجته، وأن يعاقب عبد الرحمن مولاها المذكور، فجهزتها له صفية زوجة عبد اللَّه بن عمر، وحضر عبد اللَّه عرسه (٢).
وقال أبو حنيفة ومالك ﵄: يحنث المكره (٣)؛ لأن صورة المحلوف عليه قد وجدت، والكفارة لا تسقط بالأعذار، أَلَا ترى أنه يلزمه أن يحنث نفسه ومع ذلك تلزمه الكفارة؟!
وجوابه: أن التعليل بوجود صورة المحلوف عليه لم يقم عليه دليلٌ، بل قام الدليل على أنه يخص منه وجودها مع خطأ أو نسيان أو إكراه، وكون الكفارة لا تسقط بالأعذار لا ينافي ما ذكرناه؛ لأن من لزمه الحنث له مندوحةٌ عنه من غير أذًى بدنيٍّ يلحقه (٤)، فلم يسمَّ مكرهًا حتى يرتفع عنه وجوبها، بخلاف المكره.
ويدل لما ذكرناه أنه لو حلف مكرهًا. . لا تنعقد يمينه، فكذا إذا فعل المحلوف عليه مكرهًا، فقد أثر الإكراه في أحد سببي وجوب الكفارة، ومر أن الإكراه لو قارن كلمة الكفر. . لم يتعلق بها حكمها، فكذا إذا قارن سبب الكفارة، وما نقل عن مالكٍ ﵁ قد ينافيه ما حكي عنه أنه ضُرِب سبعين سوطًا على أن يفتي بانعقاد يمين
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٣٥٧).
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٥٨٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ٣٥٨).
(٣) المعتمد في مذهب مالك: أن المكره على الطلاق لا يقع عليه طلاق، واستدل بهذا الحديث، وبخبر: "لا طلاق في إغلاق" أي: إكراه، فيكون مذهبه موافقًا لمذهبنا في ذلك، ولعل ما نقله عنه الشارح هنا وجه ضعيف عنده، فتأمل. اهـ هامش (ج).
(٤) قوله: (مندوحة) وهي ألَّا يدخل نفسه في الحلف من أصله، ومع ذلك لا يلحقه ضررٌ أصلًا؛ كمن حلف لا يصلي الظهر مثلًا؛ فإنه يجب عليه الصلاة ومع ذلك يحنث، مع أنه كان له مندوحة، وهي ألَّا يدخل نفسه في هذا اليمين. اهـ هامش (ج).
1 / 609
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]