ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات المسائل في الدين إذا أشكلت عليه، ومن ثَمَّ قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: (نِعْمَ النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنَّ الحياء أن يسألن عن أمر دينهن) (١).
وفي حديث: "إن ديننا هذا لا يصلح لمستحي -أي: حياء مذمومًا- ولا لمتكبر" (٢).
ثم الحياء بالمد: انقباضٌ وخشيةٌ يجدها الإنسان من نفسه عندما يُطَّلَع منه على قبيح، وحُدَّ أيضًا بأنه: خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وحدَّه إمام العارفين وسيد الطائفة أبو القاسم الجنيد قدس اللَّه روحه بأنه: (رؤية الآلاء -أي: النِّعم- ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء) (٣).
وأصله غريزيٌّ، وتمامه مكتسبٌ -كما أفاده بعض الأحاديث السابقة- من معرفة اللَّه ﷾، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذا هو الذي كُلِّفنا به، وهو من أعلى خصال الإيمان، بل من أعلى درجات الإحسان، وقد يتولَّد الحياء من اللَّه ﷾ من مطالعة نعمه، ورؤية التقصير في شكرها، كما أشار إليه الجنيد بما قدمناه عنه آنفًا؛ بخلاف الأول (٤)؛ لأنه ليس في الوسع، لكنه لكونه من أجلِّ الأخلاق التي يحبها اللَّه ﷾ من العبد ويجبله عليها. . يحمل على المكتسب ويعين عليه، ولهذا قال ﷺ: "الحياء لا يأتي إلا بخير" أي: لأن من استحيى من الناس أن يروه يأتي بقبيحٍ. . دعاه ذلك إلى أن يكون أشد حياءً من ربه وخالقه ﷿، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب معصية.
ومن ثم قال ﷺ لمن رآه يعاتب أخاه في الحياء: "دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" (٥) أي: من أسباب أصل الإيمان وأخلاق أهله؛ لمنعه من
(١) أخرجه مسلم (٣٣٢/ ٦١)، وأبو داوود (٣١٤)، وابن ماجه (٦٤٢) بنحوه.
(٢) ذكره العلامة المناوي رحمه اللَّه تعالى في "فيض القدير" (٢/ ٢٠٤).
(٣) أخرجه البيهقي في "الشعب" (٧٣٤٨)، وذكره الإمام القشيري رحمه اللَّه تعالى في "الرسالة" (ص ١٧٠).
(٤) في هامش (ج): (أي: الغريزي).
(٥) أخرجه البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمر ﵄.
1 / 384
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]