"قلوب الخلق بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء" (١).
فتصرُّفه تعالى في خلقه إما ظاهرٌ بخرق العادات كالمعجزة، أو نصبِ الأدلة كالأحكام التكليفية، وإما باطنٌ بتقدير الأسباب نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، أو بخلق الدواعي والصوارف، نحو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، "يا مقلب القلوب؛ ثبِّت قلبي على دينك" (٢) أي: طاعتك (٣).
ومعنى سببية الأعمال (٤) للسعادة والشقاوة الدال عليها الحديث: أنه تعالى خلق الخلق وركَّب فيهم طباع الخير والشر، فعلم ما يكون منهم بحسب مقتضى طباعهم المركوزة فيهم، فلو أسعدهم وأشقاهم اعتمادًا على سابق علمه وحكمته. . لكان في ذلك مأمونًا غير متهمٍ؛ لكنَّه تعالى عادلٌ في حكمه، حكيمٌ في عدله، والحكمة تقتضي اجتناب مظانِّ التُّهم ولو من سُخفاء العقول، فلو عذَّب بعضهم بموجَب علمه فيهم. . لاتهموه، فدفع هذه التهمة بأن كلَّفهم حتى ظهرت معصيتهم على طباعهم المركوزة فيهم من القوة إلى الفعل، وهذا هو سرُّ قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقوله ﷺ في أطفال المشركين: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" (٥) لكن الأصح: أنهم في الجنة.
وإنما اقتصر في الحديث على قسمين مع أن الأقسام أربعةٌ؛ لظهور حكم القسمين الآخرين: مَنْ عمل بعمل أهل الجنة أو النار، من أول عمره إلى آخره.
وقد اختلف أهل التحقيق؛ فمنهم من راعى حكم السابقة وجعلها نصب عينيه، ومنهم من راعى حكم الخاتمة، والأول أَولى؛ لأنه تعالى سبق في علمه الأزلي سعيد العالم وشقيه، ثم رتَّب على هذا السبق الخاتمةَ عند الموت بحسب صلاح العمل
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، وابن حبان (٩٠٢)، والإمام أحمد (٢/ ١٦٨) بنحوه عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٦)، والترمذي (٢١٤٠)، والإمام أحمد (٣/ ١١٢) عن سيدنا أنس ﵁.
(٣) في النسخ كلِّها إلا (غ): (أو طاعتها) وهي ليست من لفظ الحديث.
(٤) في كثير من النسخ: (ومعنى سبقية الأعمال).
(٥) أخرجه البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٩) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
1 / 213
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]