fatty degeneration
للفن، أما الحركة المعاصرة فقد اتجهت إلى التبسيط وإلى التخلص من كل هذه الفوضى من التفاصيل التي أقحمها الرسامون في لوحاتهم من أجل إثبات الوقائع وتقريرها، غير أن المهمة كانت أكبر من ذلك؛ فقد كانت هناك عناصر خارجة عن الموضوع يقحمها الرسامون في لوحاتهم لأغراض أخرى غير تقرير الوقائع ، من هذه الأغراض الاستعراض التكنيكي؛ فمنذ القرن الثاني عشر أخذت التعقيدات التكنيكية في التوسع المطرد، وأخذ الكتاب الذين ليس لديهم ما يقولونه يعتبرون التلاعب بالألفاظ كغاية في ذاته؛ فهم أشبه بطهاة ليس لديهم بيض فجعلوا يعتبرون وتيرة صنع العجة كفن جميل؛ خلط التوابل وفرم الأعشاب وإحماء النار وتهيئة الطواقي البيضاء، أما البيض فما لنا وما له، هذا أمر الله، ومن ذا يريد العجة حين يكون بوسعه أن يمارس الطهي؟ لقد بسطت الحركة الجديدة هذه الأمور واختزلت عدة الطهي، وعمدت إلى أن تطهر العمل الفني من أي عنصر لا يعدو أن يكون عرضا لحرفية الصانع.
من دواعي الحسرة رغم ذلك أن الحياة والفن يتكشف دائما أنهما أعقد مما نحتسب ونتمنى، فلكي نفهم ما يعنيه التبسيط على وجه الدقة فإن علينا أن نغوص أبعد من ذلك في أعماق الأسرار. إن من السهل أن نقول للفنان تخلص من التفاصيل الخارجة عن الموضوع، فما هي التفاصيل غير الخارجة عن الموضوع؟ في أي عمل فني، لا شيء يتصل بالموضوع إلا ما يسهم في الدلالة الشكلية؛ ومن ثم فكل عنصر إرشادي أو إخباري هو عنصر خارج عن الموضوع ويتعين إقصاؤه. غير أن ما ينبغي على معظم الفنانين أن يعبروا عنه هو أشياء لا يمكن أن تصاغ إلا في تصميمات بالغة التعقيد والدقة بحيث تغدو غير مفهومة ما لم يزودنا الفنان بمفتاح ما يفتح لنا مغاليق العمل ويظهرنا على جليته؛ فهناك مثلا تصميمات كثيرة لا يمكن أن يفهمها المشاهد ما لم ينظر إليها من زاوية معينة؛ فمن الأعمال ما يحسن أن ترى من أعلى إلى أسفل أو العكس، يؤيد ذلك ما نراه من أن ذوي الحساسية المرهفة من الناس بمقدورهم دائما أن يكتشفوا من التصميم نفسه كيف ينبغي أن يبصروه ، وبمقدورهم دون كثير عناء أن يضعوا وضعا صحيحا قطعة من شريط زينة أو من شيء مطرز لا يتضمن أي مفتاح إرشادي يدلهم، ورغم ذلك فعندما يصنع فنان تصميما معقدا يجد في نفسه رغبة مغرية، ومعقولة حقا، في أن يدخل في تصميمه شيئا ما مألوفا؛ شجرة مثلا أو هيئة شخصية. فعندما ينتهي الفنان من وضع عدد من العلاقات البالغة الدقة بين أشكال بالغة التعقيد، فقد يسائل نفسه إن كان بقدرة أي شخص آخر أن يدركها، ألا يليق به عندئذ أن يقدم إشارة ضئيلة تلمح إلى طبيعة تكوينه وتمهد السبيل لانفعالاتنا الإستطيقية؟ ألا ييسر فهمنا للعلاقات الإستطيقية للأشكال التي خلقها في تصميمه أن يمنح هذه الأشكال قدرا من الشبه بأشكال الحياة العادية يتيح لنا أن نردها للتو إلى ما عهدناه وألفناه؟ ردي على ذلك أن لا بأس بأن تدخل من الباب الخلفي للتمثيل
representation
الذي يتصف به مفتاح مرشد إلى طبيعة العمل، فليس لدي اعتراض على وجوده، كل ما أريد أن أؤكده هو أن العنصر التمثيلي يجب أن يكون مدمجا في التصميم كيلا يفسد اللوحة بوصفها عملا فنيا. إن على العنصر التمثيلي مهمة مزدوجة؛ فإلى جانب تقديم معلومات فلا بد له أيضا أن يخلق انفعالا إستطيقيا؛ أي لا بد أن يبسط إلى شكل دال.
لنتقص هذه المسألة ولا ندع فيها منفذا للخطأ. لقد أردنا أن نساعد المشاهد على إدراك تصميمنا فأدخلنا في لوحتنا عنصرا تمثيليا أو معرفيا، هذا العنصر لا شأن له بالفن من قريب أو بعيد؛ فتمييز التطابق بين أشكال العمل الفني والأشكال المألوفة في الحياة لا يمكن أن يثير انفعالا إستطيقيا البتة، فليس غير الشكل الدال ما يقدر على ذلك، وليس ما يمنع بطبيعة الحال أن تكون الأشكال الواقعية دالة إستطيقيا، وأن يخلق منها الفنان عملا رائعا، غير أن ما يعنينا منها عندئذ هو قيمتها الإستطيقية لا قيمتها المعرفية؛ فبإمكان العنصر المعرفي أو التمثيلي في العمل الفني أن يكون مفيدا كوسيلة إلى إدراك العلاقات الشكلية وليس بأي طريقة أخرى؛ إنه ذو قيمة للمشاهد، ولكن لا قيمة له بالنسبة للعمل الفني، أو لنقل إنه ذو قيمة للعمل الفني مثلما أن بوق الأذن ذو قيمة لمن يود الحديث مع شخص أصم؛ إذ بإمكان المتحدث أن يتكلم بنفس الكفاءة بدون البوق ، ولكن هذا ليس بإمكان المستمع، كذلك بإمكان العنصر التمثيلي أن يعين المشاهد، غير أنه لا يجدي اللوحة شيئا، وقد يضرها؛ فهو قد يفسد التصميم؛ أي أنه قد يجرد الصورة من قيمتها بوصفها كلا، وإنما بوصفه كلا وبوصفه تنظيما للأشكال يثير العمل الفني الانفعالات الأشد وقعا وروعة.
من وجهة نظر المشاهد كان فنانو «ما بعد الانطباعية» موفقين بشكل خاص في تبسيطهم؛ فمن الممكن، كما نعلم، أن يتكون التصميم من أشكال واقعية كما أنه من الممكن أن يتكون من أشكال مخترعة، غير أن التصميم الجميل المكون من أشكال واقعية معرض بدرجة كبيرة لخطر التدني الإستطيقي؛ إذ يستلفت العنصر التمثيلي فيه نظرنا على الفور فتفوتنا دلالته الشكلية. إن من العسير جدا أن ندرك بالنظرة الأولى تصميم لوحة لفنان شديد الواقعية، أنجر
Ingres
على سبيل المثال؛ ذلك أن فضولنا البشري يغشي انفعالاتنا الإستطيقية، ولا نعود نرى الصور بوصفها أشكالا لأننا سرعان ما نتأملها بوصفها أشخاصا، وفي المقابل فإن التصميم المكون من أشكال تخيلية خالصة خلو من أي مفتاح معرفي (سجادة فارسية مثلا) حري، إذا كان شديد التركب والتعقيد، أن يربك المشاهدين ذوي الحساسية المحدودة. أما الفنانون بعد الانطباعيين فإنهم باستخدامهم أشكالا محرفة بحيث تحبط وتحير الاهتمام والفضول البشريين، وتمثيلية رغم ذلك بحيث تسترعي الانتباه المباشر إلى طبيعة التصميم، قد وجدوا طريقا مختصرة إلى انفعالاتنا الإستطيقية. إن هذا لا يجعل اللوحات بعد الانطباعية أفضل من غيرها ولا أسوأ، بل يجعلها أيسر في إدراكها كأعمال فنية، ربما سيظل صعبا دائما على أغلب الناس أن يتأملوا الصور كأعمال فنية. غير أن اللوحات بعد الانطباعية ستكون في ذلك أقل عسرا من اللوحات الواقعية، بينما هم إذا كفوا عن تأمل الأشياء غير المزودة بمفاتيح تمثيلية (مثل بعض أعمال النسيج الشرقي) بوصفها آثارا تاريخية ، فقد يجدون من العسير عليهم أن يتأملوها على الإطلاق.
لكي يبرز الفنان تصميمه فإنه يجعل همه الأول أن يبسط، غير أن مجرد التبسيط؛ أي التخلص من التفاصيل، لا يكفي؛ إذ لا بد للأشكال الإخبارية المتبقية أن تكون دالة، ولا بد للعنصر التمثيلي لكي لا يفسد التصميم أن يصبح جزءا منه، ويتعين عليه إلى جانب تقديم المعلومات أن يثير انفعالا إستطيقيا، وها هنا الموطن الذي تفشل فيه الرمزية. إن الرمزي يتخلص ولكنه لا يهضم ويتمثل، ورموزه، في عامة الأحوال، ليست أشكالا دالة بل ناقلات خبر شكلية؛ فالرموز ليست أجزاء مدمجة لتصور تشكيلي، وإنما هي اختصارات فكرية، والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي، وهي جاسئة
Unknown page