إن أصحاب النظر السطحي كثيرا ما يرجعون الحوادث التي تبدو شاذة في ظاهرها إلى عدم اطراد القوانين الطبيعية اطرادا شاملا؛ أما عند النظرة الفلسفية فهذه «الشواذ» هي نفسها كالحوادث المألوفة سواء بسواء في كونها تجري وفق قوانين أخرى خاصة بها، وإن تكن هذه القوانين من الدقة بحيث يخطئ الإنسان إدراكها إلا إذا دقق البحث وأمعن في النظر؛ فالطبيعة ملأى بمصادر السلوك، ندرك بعضها ولا ندرك بعضها الآخر، فإن رأينا سلوكا معينا لظاهرة معينة دون أن نرى مصدره، كان واجبنا أن نبحث عن مصدره الخبيء، بدل أن نزعم متعجلين بأنه سلوك سائب بغير مبدأ يصدر عنه أو قانون ينظمه؛ ولنضرب مثلا لذلك قرويا ساذجا وقفت ساعته فيصف هذه الظاهرة بأن الساعة لا يستقيم سيرها، فآنا تخطيء وآنا تصيب؛ كأنما يفترض فيها أنها تتحرك بغير قانون؛ أما صانع الساعات الذي يعرف لماذا تقف تروس الساعة ولماذا تسير، فحكمه آخر؛ إذ هو يدرك أن عدة الساعة من زنبرك وبندول وغيرهما إن سارت منتظمة، فعلت ذلك وفق قوانين مطردة، وكذلك إن وقفت عن السير، وقفت وفق تلك القوانين المطردة نفسها؛ فقد تكون هنالك ذرة من غبار - مثلا - تقف دون حركة السير؛ وهكذا الأمر في كل ظواهر الطبيعة، ما يبدو منها سويا وما يبدو شاذا، كلها تجري على روابط مطردة بين أسباب ومسبباتها.
وقل هذا نفسه فيما يختص بالإنسان وسلوكه؛ فسلوكه يجري على اطراد؛ وإذا بدا من سلوكه جانب شاذ، فهذا الشذوذ نفسه يرتد إلى اطراد سبب عند النظرة المتعمقة الفاحصة؛ وكثيرا ما تعاورت الجسم الإنساني أحداث تبدو غاية في الشذوذ عند من لا يعلم من أمر الجسم شيئا كثيرا، لكنها تبدو طبيعية عادية عند الطبيب الذي يعرف كيف تدور آلة الجسم المعقدة؛ والخلاصة هي أن الحوادث الشاذة، سواء وقعت في حياة الإنسان أو في ظواهر الطبيعة، إنما هي شاذة عن النظرة السطحية، ولكنها ليست كذلك عند النظرة النافذة العالمة ببواطن الأمور وخوافيها.
72
وإذا أراد الفيلسوف لأحكامه أن تتسق وأن تخلو من التناقض، كان حتما عليه أن يطبق هذا المنطق نفسه بالنسبة إلى الأفعال الإرادية عند الكائنات العاقلة فلو صدر عن إنسان معين فعل إرادي بلغ الغاية في شذوذه وخروجه عن الأفعال الإرادية المألوفة عند سائر الناس؛ كان الأرجح ألا يبدو كذلك عند من يعرف شخصية صاحب ذلك الفعل بكل دقائقها، كما يعرف الموقف الذي أحاط بذلك الفعل بكل تفصيلاته؛ لأنه عندئذ سيجد أمرا طبيعيا ما رآه غيره شاذا غريبا ... ألا إن مفاجآت السلوك البشري لشبيهة بمفاجآت الظواهر الجوية، كلاهما قد يبدو كأنما هو يسير على غير قانون، لكن قانونه الخبيء ينكشف لمن يعلمون دقائق الأمور، فليست أفعال الإنسان المفاجئة الشاذة بأغرب من تغيرات الريح والمطر والسحاب وغيرها من العناصر الجوية؛ فهل نقول عن هذه إنها تسير على غير اطراد بين الأسباب والمسببات؟ هكذا قل في سلوك الإنسان.
73
فيبدو لنا - إذن - أن الرابطة بين الأفعال الإرادية وبين دوافعها هي من الاطراد والانتظام بنفس الدرجة التي تكون عليها الرابطة بين السبب والمسبب في أي جزء من أجزاء الطبيعة؛ لا، بل إنا لنضيف إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى، وهى أن هذا الاطراد في الرابطة بين الأفعال الإرادية ودوافعها أمر مسلم به من أفراد البشر جميعا، ولم يكن قط موضع نزاع لا في مجال التفكير الفلسفي ولا في مجال الحياة الجارية؛ فكما أننا في شتى خبراتنا الماضية نستدل ما عساه أن يحدث في المستقبل، فنحكم على الحوادث التي شهدناها دائما مرتبطة على نحو معين، بأنها ستحدث في المستقبل - إن حدثت - مرتبطة على تلك الصورة بعينها؛ فكذلك نحكم على الناس في سلوكهم كيف سيكون فيما هو آت بناء على خبرتنا الماضية؛ ولولا أن الناس يفرضون في السلوك البشري نفس الاطراد الذي يفرضونه في الظواهر الطبيعية لاستحال أن يركن بعضهم إلى بعض في معاملاتهم ومبادلاتهم واتصالاتهم؛ إن صاحب المصنع ليكاد يتوقع الاطراد في سلوك عماله كما يتوقعه في سلوك آلاته، وإن وقع من الأولين ما يختلف عما توقعه، فكذلك قد يحدث في الآلات؛ إنني قد أستقبل الصديق الأمين في داري فأثق بأنه لن تمتد يده إلى قتلي كما أثق بأن جدران داري لن تهدم إبان زيارته، ولو قيل إن ذلك الصديق قد تصيبه لوثة مفاجئة فيفعل ما لم نكن نتوقعه منه، قلنا إنه كذلك قد تحدث هزة أرضية مفاجئة فتنهدم جدران المنزل على نحو لم نتوقعه.
هكذا تطرد أفعال الإنسان اطرادا نركن إليه في حياتنا العملية، وليس هناك بين الفلاسفة أنفسهم من لم يركن إليها كأي رجل عادي في غمار الناس؛ إذن فلماذا نركن من الوجهة العملية إلى اطراد السلوك الإنساني، ثم نأبى الاعتراف بذلك من الوجهة النظرية؟ لماذا نتصرف دائما على أساس أن أفعال الإنسان تجري مجرى الضرورة كبقية حوادث الطبيعة، ثم نرفض الاعتراف النظري بأن إرادة الإنسان مقيدة بهذه الضرورة؟ لماذا نسلك طريقا في أفعالنا غير الطريق التي نسلكها في نظرياتنا؟ أظن أن تعليل ذلك هو كما يلي:
لو تأملنا عملياتنا الجسدية، متتبعين علاقة السبب بالمسبب في تلك العمليات، وجدنا أنه محال على قدراتنا الإدراكية جميعا أن ترى في تلك العلاقة السببية شيئا سوى أن أحداثا معينة لوحظت مرتبطة دائما بأحداث معينة أخرى، ومن ثم تتكون لدى العقل عادة أن ينتقل من الأحداث الأولى إذا ما ظهرت إلى الأحداث الثانية التي كانت دائما مرتبطة بها؛ إنه لا حتم هناك بأن يحدث الأمر على هذا التعاقب، لكن هكذا حدث التعاقب في الماضي، وهكذا نتوقع له أن يحدث في المستقبل؛ لكن الناس عادة لا يرضون بهذا ولا يكتفون به، ويدعون أنهم قادرون على النفاذ وراء هذا التعاقب الظاهر ليروا رابطة ضرورية حتمية تجعل الشق الأول من الظاهرة يخلق الشق الثاني خلقا وينتجه إنتاجا، وهكذا تميل بهم عقيدتهم إلى أن السبب والمسبب ليسا مجرد حادثين تعاقبا في خبراتنا الماضية، بل إن في طبيعة السبب ضرورة تقتضي أن تستتبع المسبب حتما؛ ثم ينظرون إلى أنفسهم من باطن، فلا يرون هذه الرابطة الحتمية الضرورية في سلوكهم؛ إذ يرون أن الدافع النفسي الذي يتبعه فعل معين، ليس فيه ما يقتضي حتما أن يستتبع ذلك الفعل، وكل ما في الأمر أن الدافع والفعل قد لوحظا متعاقبين فيما مضى؛ فها هنا تراهم يحكمون على أنفسهم بما لا يحكمون به على حوادث الطبيعة؛ إذ يقولون إننا وإن كنا لا نرى في الجانبين معا (السلوك الإنساني وحوادث الطبيعة) رابطة ضرورية تحتم أن يستتبع السبب مسببه، إلا أننا نزعم أن هذه الرابطة الضرورية موجودة بالنسبة لحوادث الطبيعة وغير موجودة بالنسبة لسلوك الإنسان؛ بعبارة أخرى هم يحكمون على حوادث الطبيعة بأنها مجبرة على السير كما تسير، أما بالنسبة إلى سلوكهم فلا إجبار هناك، بل الأمر لا يزيد على تعاقب ألفناه، وقد يتغير نظامه في أي حين ... لكن المنطق يقتضيهم أن يحكموا على السلوك الإرادي بنفس الذي يحكمون به على حوادث الطبيعة، ما داموا في كلتا الحالين لا يلاحظون إلا حوادث تتعاقب في اطراد، دون أن يروا إلى جانب ذلك ضرورة داخلية في طبائع الأشياء نفسها تقتضي ذلك الاطراد؛ أقول إن المنطق يقتضيهم أن يحكموا على أفعال الإنسان بما يحكمون به على حوادث الطبيعة، من أن الأمر لا يعدو عادات تعودناها؛ إذ تعودنا أن نرى شيئا يتبع شيئا، فاعتدنا بعدئذ أن نتوقع ظهور التالي إذا ظهر المقدم، سواء كان ذلك التالي فعلا بشريا أو حادثة طبيعية، وسواء كان هذا المقدم إرادة إنسانية أو شيئا في الطبيعة الخارجية، إن مثل هذا الكلام لا يعجب فلاسفة كثيرين ممن يريدون أن يفرقوا بين الفعل البشري من جهة والحادثة الطبيعية من جهة أخرى؛ لكن هؤلاء الفلاسفة أنفسهم لا يترددون لحظة في حيواتهم الخاصة أن يجروا على ألا اختلاف، حتى إذا ما ارتدوا إلى فلسفاتهم النظرية قرروا ذلك الاختلاف بين الإنسان والطبيعة بأن جعلوا في حوادث الطبيعة ضرورة حتمية لم يجعلوا مثلها في أفعال الإنسان الإرادية؛ وعلى كواهل هؤلاء الفلاسفة تقع تبعة الإثبات، فيدلونا من أين جاءوا بهذه العقيدة؟ كيف عرفوا أن بين السبب والمسبب في حوادث الطبيعة ضرورة حتمية ليس لها نظير بين السبب والمسبب في أفعال الإنسان، إذا كانوا لم يلحظوا لا هناك ولا هنا إلا اطرادا في تتابع الحدوث؟
74
الظاهر أن الناس في موضوع الحرية والجبر يبدءون من حيث كان ينبغي لهم أن ينتهوا؛ فهم يبدءون طريق التفكير بالبحث في قدرات النفس وفي تأثير العقل وفي عمليات الإرادة؛ مع أنه كان الأجدر بهم أن يبدءوا ببحث ما هو أيسر، وأعني به عمليات الأجسام المادية التي لا أنفس فيها ولا عقول ولا إرادة، فيحاولون في هذا المجال أن يلتمسوا مصدرا للفكرة القائلة بأن بين السبب والمسبب رابطة ضرورية حتمية، وسيجدون أن ليس ثمة إلا اطراد في تتابع الظواهر، يترتب عليه اعتياد بأن نتوقع حدوث الشق الثاني من أجزاء الظاهرة إذا ما ظهر شقها الأول؛ فإذا كانت «الضرورة» في حدوث الحوادث الطبيعية لا تعني إلا هذا الاطراد الذي تعودناه، والذي نحكم بناء عليه بما عساه أن يقع في المستقبل؛ أقول إنه إذا كانت الضرورة المزعومة في عالم الأشياء المادية لا تعني إلا هذا، ثم إذا كان هذا نفسه هو ما نتفق جميعا على أنه الحال بالنسبة للأفعال الإنسانية التي تتبع عزماتنا الإرادية، انحسم الخلاف في أمر «الضرورة» أو «الجبر»، وأدركنا أن نقطة الخلاف كانت لفظية فحسب، ذلك أن أنصار «الضرورة» في حدوث الحوادث الطبيعية سيجدون أن تفسير هذه «الضرورة» هو هو بعينه نوع الارتباط الذي يقع في الإرادة الإنسانية ويسمونه «حرية»؛ أما أن نتفق جميعا على أن نوع الرابطة التي نراها بين حوادث الطبيعة هو نفسه نوع الرابطة التي نراها في الإرادة الإنسانية وما يتبعها من أفعال، ومع ذلك يصر فريق منا على زعمه بأن وراء هذه الرابطة الظاهرة قوة حتمية في الطبيعة بغير نظير لها في الحياة الإنسانية، فذلك تعنت يستحيل معه أن ينتهي المختلفون إلى حسم ما بينهم من نزاع.
Unknown page